الخميس - 27 يناير 2022
الخميس - 27 يناير 2022

العرب.. زيف التاريخ وأبديَّته

خالد عمر بن ققه
كاتب وصحفي ـ الجزائر

«كلمة تاريخية، موقف تاريخي.. قرار تاريخي.. يوم تاريخي..».. هكذا يتحدث العرب عند قيامهم بأي فعل سياسي حتى لو كان ضد تاريخهم، وتراثهم، وإيمانهم ـ القولي منه والفعلي ـ وهم في ذلك يبدون وحدهم في هذا العالم أبناء البعد الماضي من التاريخ، مع أنهم يعتقدون وَهماً أنهم يمثلون حاضرهم ومستقبلهم.

هنا يتبادر للذهن السؤال الآتي: ماذا لو ترك العرب التاريخ يتشكل دون تدخل منهم، ودون خضوع للقوى الفاعلة على المستوى الدولي، واكتفوا بالهجرة إلى أنفسهم بالتبصُّر وليس في أرض الله الواسعة، حيث إسهام بعضهم في الجور والفساد والطغيان، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؟

إن الأمل في تغير أمتنا عندي حدوده السماء، وحدوده على الأرض فضاءات العالم كلّه، ولا أودّ مثل كل المستضعفين في العالم، الحديث عن التاريخ إلى أن «أبتغي إلى ذي العرش سبيلاً»، ولكن التاريخ هو حياتنا الفردية والجماعية على هذه الدنيا، وبهذا المعنى ـ نحن العرب والمسلمين وأهل الكتب السماوية الأخرى ـ مثل كل البشر نصنع حيواتنا، وليس شرطاً أن تسجل في كتب التاريخ، أو أن تتحدث عنها الأجيال القادمة، خاصة إذا كانت آثارنا سيئة ونُذكر فيها بسوء.

إذن، المهم أن يكون التاريخ هنا قيمة إيمانية ذات صلة مباشرة بعالم الغيب والشهادة، ذلك لأن «تأريخيّة» أفعالنا جميعها ليست مهمتنا نحن البشر، ليس فقط لمحدودية قدراتنا، ولكن لأن إحصاء الأفعال لمعرفتها بعد كشف الغطاء سنجدها في كتاب مبين، مسجلة صوتاً وصورة، باطناً وظاهراً بما تسر الصدور وما تعلن، حتى لو كانت في زمن فعلها بمقدار ذرة خير أو شر، أو كانت بوزن حبة من خردل.

كل هذا، يدفعنا إلى ضرورة البحث بجديّة عن فهم آخر للتاريخ، من حيث هو فعل يومي، ليس حكراً على السَّاسة والحكام فقط ـ ضلوا أم اهتدوا، عقلوا أو غيبوا، أحسنوا أو أساؤوا، جاهدوا في الله حق جهاده أم تخلوا عن ذلك ـ إنما يخصنا جميعاً، لنخرج إلى حيث العالم الرحب من المسؤولية، ويصنع كل واحد منا تاريخه الأبدي في مجاله وعمله وحرفته، ذلك لأنه في النهاية سيجد نفسه مُكرهاً أو مُحباً لقراءة كتابه في مرحلة اللازمان واللامكان، أي يوم أن يتحقق أمر الله تعالى: «يوم تُبَدَّل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار». (سورة إبراهيم ـ الآية: 48).