الثلاثاء - 20 أكتوبر 2020
الثلاثاء - 20 أكتوبر 2020

كل «زين» يتحول إلى «شين»

محمد أبوكريشة
مدير عام تحرير صحيفة الجمهورية المصرية ومستشار دار التحرير للطبع والنشر في مصر وكاتب صحافي في عدة صحف مصرية وعربية
«ما دخل الرفق أمرا إلا زانه وما نزع من أمر إلا شانه»، هذا حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يلخص به ويشخص بدقة داء العرب الآن حيث نزع الرفق فصارت كل الأمور (شين) ولم يعد شيء (زين)، فالرفق هو نقيض أو ضد الغلو والتطرف والعنف في القول والفعل، بل إن الرفق إذا نزع من الدين يصير فسوقا وفسادا وينزع من الفضيلة فتصير رذيلة، وكل الأفكار والنظريات والمناهج جميلة ومثالية ورائعة.

الاشتراكية والشيوعية والرأسمالية والعقائد الدينية والسياسية نجحت في العالم كله، لكنها عندما حطت رحالها في أمة العرب فشلت حيث نُزع منها الرفق ودخلها الغلو والتطرف والعنف، لأن السم ليس في السائل ولكنه في الإناء البشري العربي المسمم بالعنف والتطرف والغلو فكلما وضعت فيه سائلا تسمم، فكرة العروبة والقومية العربية والتضامن والعمل العربي المشترك مثالية وجميلة، ولكنها ظلت طائرا يحوم في الفضاء ولم نرها يوما نزلت على أرض التطبيق إلا عنفا وغلوا وتطرفا وتخوينا واتهامات لا حصر لها وتقسيما للناس بين رجعيين وتقدميين ثم بين مؤمنين وكفرة، وعندما يصمم كل منا على أنه على حق وحده نكون جميعا على باطل، والحق أصابه اليأس، ويبدو أنه خرج من هذه الأمة ولن يعود وكل هذا بسبب غياب الرفق.

نحن مغالون ومتطرفون في الرفض والتأييد، متطرفون مع الأمر أو ضده وليس في هذه الأمة سوى لونين، الأبيض والأسود ولا توجد ألوان أخرى، حتى كلامنا عن السلام الدائم والعادل والشامل فيه غلو وعنف فلا يوجد سلام دائم وعادل وشامل إلا في الجنة، أما في الدنيا فهو دائما سلام مؤقت وجزئي وهدنة على دخن أو دخل أو دغل، ولم نجن من الغلو والتطرف وغياب الرفق سوى الدمار والدماء والصراع والفوضى وضياع الفرص، وقدمنا للآخرين بالحماقة والغباء والغلو والتطرف أضعاف ما يمكن أن يطلبوه منا، والمُغالي والمتطرف أعمى ولا يمكن أن يبصر قط لذلك لا يتعلم ولا يتعظ ويلدغ من الجحر الواحد ألف مرة.


ونظرة سريعة إلى خريطة الأمة تريك ما فعل بنا العنف والتطرف والغلو، وتؤكد لك أنه لا توجد في الأمة معارضة لأن المعارض يطرح البديل لما يعارضه، ولكن يوجد فيها رفض ورفس وسب وقذف وعنف وغلو بلا نهاية، لذلك يتحول كل «الزين» في أمة العرب إلى «الشين»
#بلا_حدود