الاحد - 01 نوفمبر 2020
الاحد - 01 نوفمبر 2020

كلام ماكرون.. وعمق أزمتنا

عبدالجليل معالي
كاتب صحفي تونسي. حاصل على شهادة الأستاذية في التاريخ. صحفي في جريدة العرب الدولية منذ أكتوبر 2012. له كتابات في مجلة الهلال، وجريدة الأهرام، ونشرية مقاليد، فضلاً عن كتابات في صحف تونسية عدة.
كان منتظراً أن تنال كلمة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي قال فيها إن «الإسلام دين يعيش اليوم أزمة في جميع أنحاء العالم».. انتقادات كثيرة من منطلقات سياسية وفكرية وقانونية وحتى دينية، لكن المثير للانتباه هو التركيز على انتقاد جملة ماكرون، وتحويلها من سياق بحث وضعية الإسلام في فرنسا إلى استهداف للإسلام برمته.

الملاحظ أن ماكرون قال كلمته في بداية الشهر الجاري، ثم انطلق لاهتمامات سياسية واقتصادية وصحية أخرى، لكن طائفة من الإسلاميين لم تسكت عن «الإهانة» الفرنسية التي لحقت بالمسلمين، حسب تقديرها.

كان واضحاً أن ماكرون يقصد التيارات الإسلامية، لكن مؤسسات وشخصيات إسلامية تحسست من الموقف والتقطت المقصد، لذلك حولت الانتباه العام من التصويب على التيارات الإسلامية المتطرفة، لتحولها إلى قضية تخص الإسلام بأسره.


تكابد فرنسا منذ سنوات من أجل بلورة مفهوم «الإسلام الفرنسي» بدل مفهوم «الإسلام في فرنسا».. المفهوم الأول كثيف بدلالات المواطنة والتعايش واستيعاب مبادئ الجمهورية، ما يعني أن بإمكان المسلم أن يكون مواطناً فرنسياً بكل ما تعنيه الكلمة من التزامات، في حين يستبطن المفهوم الثاني تقديم الانتماء الديني على الانتماء الوطني، والمرابطة في أسر الهوية الدينية والانعزال.. هنا نذكر أن تيارات إسلامية في فرنسا رفضت إعلان ماكرون القديم عن السعي لإرساء إسلام فرنسي، واعتبرته محاصرة لهوية المسلمين، وتذويباً لخصوصياتهم.

في كلمة ماكرون الجديدة استعادة للصراع بين الجمهورية الفرنسية وبين المنظمات الإسلامية التي ترعى «النزعات الانعزالية» التي انتقدها ماكرون، حيث هبّت كل الهيئات والمنظمات الإسلامية في العالم الإسلامي إلى «نصرة الإسلام في فرنسا»، وكانت الهبّة جامعة للمتناقضات، من قبيل التقاء مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وهي منظمات تتخاصم في الشكل ولا تتناقض في المضمون، وتواظب على التنديد بالإرهاب لكنها لا ترى ضيراً في النهل من مناهله.

يمكن نقد كلمة ماكرون من منطلقات قانونية وفكرية وحقوقية كثيرة، ويمكن مقارعتها بالقوانين العلمانية الفرنسية، ويمكن انتقاد «تآكل» قانون العلمانية الفرنسي لعام 1905، لكن الصراخ الإسلامي المتواصل إلى حد اللحظة، وتحويل وجهة الكلام الفرنسي من التصويب على الإسلاميين رعاة المشاريع الانعزالية، إلى اعتبار أن كلمة ماكرون موجهة نحو الإسلام، هو تحايل سياسي ودق لعنق الحقيقة.. بقي الاعتراف أن المسلمين اليوم يعيشون أزمة حقيقية هي أزمة فهم للدين، وأزمة تسييس للنص الديني، والثابت أن الوقائع الراهنة تجعلنا لا نحتاج إلى إشارة رئاسية فرنسية لنرى أزماتنا، لكن ردود الأفعال الإسلاموية أكدت صواب كلام ماكرون وبرهنت على عمق الأزمة.
#بلا_حدود