الاحد - 29 نوفمبر 2020
الاحد - 29 نوفمبر 2020

المفاجأة.. أنه لا مفاجأة

أحمد المسلماني
رئيس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية، عمل مستشاراً سابقاً للرئاسة المصرية، له العديد من المؤلفات السياسية، قام بتحرير كتاب "عصر العلم" تأليف الدكتور أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في العلوم، تقديم الأديب نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب.
لم تكن رسائل وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون كشفاً للمستور، بل جاءت كشفاً للمعروف.

لا شيء سرّي للغاية في رسائل الوزيرة، بل لقد جاءت الرسائل تأكيداً لما هو مستقرّ في يقين النخب العربية، التي لطالما تحدثت عن الدعم الأمريكي لمشروع الإسلام السياسي في تلك الحقبة الفاصلة من تاريخ العالم العربي.

حين يطالع المرء اليوم عملية تصعيد شخصية محدودة الذكاء إلى مستوى تصدُّر واجهة اليمن، وصولاً إلى الحصول على جائزة نوبل للسلام، حين يطالع المرء تلك الصناعة الأمريكية الكاملة من قبل مجموعة الوزيرة كلينتون، فإنه يُدهش لذلك الإصرار المذهل على صناعة «نجمة عالمية» من العدم.


لا مفاجأة بالطبع في بريد الوزيرة، ذلك أن العالم العربي بأكمله كان مذهولاً من ذلك الاختيار، ولقد كتبتُ مقالاً وقتها بعنوان «طفلة تلهو بجائزة نوبل»، وكان ردّ «النوبليّة» على مقالي هو الهجوم التقليدي المعتاد من هذه الجماعات.

إن رسائل هيلاري، التي تكشف عن ترتيب الخارجية الأمريكية لقاءات مع قادة جماعة الإخوان في واشنطن، ودعم التواصل بين هذه الجماعة باعتبارها جماعة أمميَّة فوق الأوطان من دون اكتراث لمفهوم الدولة الوطنية أو الحدود السياسية، إنما تؤكد شغف البعض في واشنطن الأوبامية بإنشاء «اتحاد سوفييتي جديد» بقيادة إخوانية، ومن السهل بعد ذلك - إذا ما اقتضت الحاجة - تدمير ذلك الاتحاد، وإعادة المسلمين جميعاً إلى ما دون الصفر.

إن ذلك الإصرار في وزارة الخارجية الأمريكية على لقاء إخوان مصر وليبيا وتونس والمغرب مع إخوان تركيا وجنوب إفريقيا، فضلاً عن الترتيبات المالية مع قطر، لهو أمر صادم، كما أن تقديم ذلك للشباب العرب باعتباره «الثورة»، وتقديم تيارات العقل والحداثة والوطنية والسلام الإنساني باعتباره «الثورة المضادّة».. أمر أكثر صدمة وترويعاً.

إن كشف رسائل هيلاري عن كون قناة الجزيرة هي «الجناح الإعلامي» لجماعة الإخوان، لا يشكل جديداً للقارئ، ولكنه يؤكد - عبر وثائق رسمية - ما هو مؤكد في دوائر الفكر العربي، لكن عودة قادة الجزيرة إلى مرجعيتهم في الخارجية الأمريكية في كل صغيرة وكبيرة، حتى لو كان الأمر تقريراً عن أعاصير في هاييتي، يدفع المراقب إلى الذهول - من جديد - لأن ما كان مفهوماً بالمنطق ومعروفاً بالواقع، قد صار مؤكداً بالرسائل، وعبر «إيميلات» معروفة الراسل والمرسل إليه، وبينهما نص الرسالة.

في تقديري، لم تكن الولايات المتحدة في عهد الرئيس أوباما واقفة وراء ما جرى، فلقد كان بايدن وهيلاري وآخرون متحفظين على سقوط نظام مبارك في مصر، ولكن ما جرى هو ركوب موجة متطرفة وإدارتها، وإخراج مشروع الإسلام السياسي الأممي من الأدراج والشروع في تطبيقه سطراً بسطر، ولم تدرك واشنطن وقتها أن الشعوب العربية سوف تمضي هي الأخرى - بممحاة كبيرة - وراء ذلك المشروع سطراً بسطر.
#بلا_حدود