الاحد - 29 نوفمبر 2020
الاحد - 29 نوفمبر 2020

مسافة الظنون.. وتطبيق القانون

محمد أبوكريشة
مدير عام تحرير صحيفة الجمهورية المصرية ومستشار دار التحرير للطبع والنشر في مصر وكاتب صحافي في عدة صحف مصرية وعربية
أرى، وربما يرى غيري، معايير ومقاييس كثيرة لتقدم وتخلف الأمم، ربما لا يتفطن إليها أو يُعيرها التفاتاً كثير من صنّاع القرار والمحللين وواضعي معايير التقدم والتخلف، وعلى رأس تلك المعايير تلك المسافة أو المساحة الزمنية بين إصدار القرار أو القانون وتنفيذهما.

إذ كلما طالت واتسعت هذه المسافة أو المساحة، دل ذلك على تخلف الأمم وتراجعها، ويترك فرصة سانحة للشائعات والأقاويل والأكاذيب، ويوحي بأن هناك صراعاً حول القانون أو القرار، وأن هناك ضغوطاً، وهناك أيضاً رهان على ذاكرة الناس بأنهم سينسون، وأن القرار أو القانون سيتوقفان عند مرحلة الإصدار فقط، وهذا في ذاته نوع من الفساد لا يهتم به أحد.. كما أن حرف أو أداة الاستثناء «إلا» في القرارات والقوانين، باب واسع للثغرات والثقوب التي تعرقل التطبيق، وتترك مساحة واسعة للفساد والمخالفات والتجاوز.

وهناك أيضاً كثرة تشكيل اللجان، وأظنها آفة عربية خطيرة تنفرد بها أمتنا دون الأمم، واللجان في رأيي هي المقابر الحديثة لدفن القضايا، فمن لجنة رئيسية إلى لجنة فرعية إلى لجنة منبثقة إلى لجنة استماع إلى لجنة تقصّي الحقائق تشبع القضايا موتاً وتحللاً ويتفرق دمها بين اللجان، وأظن أن 90% من سكان المنطقة العربية أعضاء لجان، وأظن أنني منهم، ولكنني نسيت، وأزعم أيضاً أن مكافآت رؤساء وأعضاء اللجان العربية بالملايين أو المليارات سنوياً، وهناك لجان لا تجتمع قط، وهناك أعضاء لجان لا يحضرون الاجتماعات، ولكنهم يتقاضون المكافآت، وأسوأ ما يمكن أن يحدث هو تعطيل القانون بالقانون، وتعطيل القرار بالدراسة المتأنية، وما يسمونه عدم التعجل، والأفضل ألا يتم إصدار القرار أو القانون، بدلاً من هذا الفساد وترك المساحة الفارغة يملؤها المغرضون والمتصيدون شائعات وأكاذيب.. والمعروف أن الشائعات والأكاذيب في أمتنا أقوى بكثير من نفيها، بل إن الناس، وما أكثر المرضى منهم، يرون أن نفي الشائعات إثبات وتأكيد لها، والخلل بالتأكيد في ترك مساحة ومسافة واسعتين بين الإصدار والتنفيذ.


والمقولة التي ينبغي أن يتفطن إليها صانع القرار هي أن أي قرار مهما بلغ عدله وإنصافه، فلا بد أن يُرضي أطرافاً ويُسخط أطرافاً أخرى، ولكن في النهاية لا بد من اتّخاذه وتنفيذه، وأن الحوار والديمقراطية يكونان في مناقشة إصدار القرار، لكن التنفيذ يجب أن يكون حاسماً وديكتاتورياً، حتى لا تتسع مسافة الظنون بين إصدار وتنفيذ القانون!
#بلا_حدود