الاحد - 29 نوفمبر 2020
الاحد - 29 نوفمبر 2020

عالم موازٍ.. بلا مواثيق

صالح البيضاني
كاتب وصحافي وباحث سياسي يمني، عضو مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وعضو الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، عمل مراسلاً لعدد من الصحف العربية والدولية في اليمن، صدرت له تسع إصدارات أدبية وسياسية.
الحديث عن قوة وسطوة الثقافة الكونية الجديدة المتمثلة في «الإنترنت» يطلق في المخيلة رزمة من الأسئلة المعقدة عن عالم يصعب على كثيرين تخيل تعقيداته، عوضاً عن الإبحار في مسالكه ودروبه المتشعبة، كل ذلك وشبكة المعلومات العالمية، ما تزال فتية لم يتجاوز عمرها العقدين من الزمن، بالشكل الذي نعرفه اليوم، وقد تحوّل إلى كون يضم في طياته أرقاماً فكلية، من البيانات والمعلومات، وحتى الأفكار التي تتصارع في عالم افتراضي متكامل موازٍ لعالمنا.

ومع وجود نقاط تشابه عديدة بين العالمين الحقيقي والافتراضي اللذين يحاصران حياة البشرية، اليوم، إلا أن ثمة فروقاً عديدة أيضاً من أبرزها أن عالم «الإنترنت» الواسع الذي بات يتحكم في قسم كبير من حياتنا اليومية، لا تحكمه قوانين الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن الدولي، أو المواثيق الدولية.

عالم يجمع بين عناصر الخير والشر، المعرفة والتضليل، عالم تُخاض فيه حروب الأفكار ومعارك التسريبات والقرصنة والاستحواذ، ويشهد تنافساً رقمياً شرساً يدمر فيه القوي الضعيف بلا رحمة أو هوادة.. عالم مفتوح يمكن التنقل بين أصقاعه في ثوانٍ قليلة، تتجول خلالها في أزقة «تورنتو» وتتلصص من إحدى النوافذ على منزل في «طوكيو» وتشاهد ما لا يمكن مشاهدته إلا عبر سبورة المستقبل، وتسمع ما يُحظر سماعة عبر إذاعات الـ(FM) وتشاهد ما لا يمكن مشاهدته على شاشات التلفاز.


وهناك قارات كثيرة لا تزال غير مكتشفة، وهناك أعماق محيطات مظلمة، وصراع محموم كذلك للاستحواذ على مساحات افتراضية لإقامة دول، وممالك وإمبراطوريات لا تقاس مساحتها بالكيلو متر، بل بـ«الميغابايت» و«الغيغابايت».

في هذا العالم الموازي ثمة إمبراطوريات عملاقة ودول فقيرة.. إمبراطوريات عملاقة، كـ«غوغل» و«فيسبوك» ودول أقل من نامية لهواة يحاولون بإمكاناتهم المتواضعة، الحصول على مكان في هذا العالم، الذي تتلاشى فيه المسافات وتغيب الحدود، وتنتشر عصابات القرصنة، والفيروسات والحروب الإلكترونية.

في هذا العالم كذلك لا يحتكر المعلومة القريبون من «مكتبة الكونغرس» أو القابعون في مكاتب الاستخبارات العالمية، إذ من خلال حركة بسيطة من سبابة إصبعك تستطيع أن تعرف كل شيء عن أي شيء وبدون عناء، فما كان بالأمس حكراً على القليل من الأشخاص والحكومات، أصبح اليوم متاحاً لمراهق من البرازيل يريد كشف أسرار الثقافة «المنغولية»!
#بلا_حدود