الثلاثاء - 26 يناير 2021
Header Logo
الثلاثاء - 26 يناير 2021

مقاطعة البضائع الفرنسية.. ومعرفة الذات

د. محمد عبد الستار
كاتب – الجزائر

يقول مثل شعبي: «ما ضربونا.. حتى عرفونا»، بمعنى ما كان الآخرون ليتجرؤوا علينا بالضرب والإهانة، حتى عرفوا أننا نستحق الضرب، وأننا لا نقدر على الدفاع عن أنفسنا وعرضنا.. هذا المثل ينطبق على علاقتنا بالآخرين، فلو عرفوا أننا نمتلك القوة اللازمة للدفاع عن أنفسنا، وعرضنا، وديننا ورسولنا الكريم، ما كانوا ليتجرؤوا على ارتكاب مثل هذه الأفعال.

احتدم النقاش ذات مرة بين مؤرخين وسياسيين جزائريين عن السبب الحقيقي وراء احتلال فرنسا للجزائر، وأدلى كل بدلوه، فقال المؤرخ الدكتور أبوالقاسم سعدالله، جملة واحدة: «إن التقدم احتل التخلف».. فرنسا كانت متقدمة فاحتلتنا، نقطة إلى السطر، أما الباقي فكله تفاصيل.

استذكرت هذا بعد الحملة الداعية لمقاطعة بضائع فرنسا، بسبب تحامل رئيسها إيمانويل ماكرون على الرسول، والحقيقة أن أضعف الإيمان هو تغيير واجهة الفيسبوك، وكتابة مقالات أو تعليقات والدعوة لمقاطعة البضائع الفرنسية.

غير أن «رأس الحكمة معرفة الذات».. إننا لا نقوى على مقاطعة البضائع الفرنسية، لأننا لم نقوَ على مقاطعة البضائع الدنماركية في وقت سابق، ولم نقوَ على مقاطعة البضائع الأمريكية، تضامناً مع الشعب الفلسطيني، باعتبار أن نسبة من مداخيل بضائعها مثل كوكاكولا تتجه دعماً لإسرائيل.. نحن عاطفيون، لا نشرب كوكاكولا يوماً ثم نشربها دهراً.

كذلك اليوم، نسير في الشوارع نحرق صور ماكرون والعلم الفرنسي، ثم ندخل بيوتنا نشاهد الأفلام الفرنسية، ونتلقّى الأخبار من وكالة الأنباء الفرنسية وفرانس 24، ونشتري السيارة الفرنسية والدواء الفرنسي والمقاتلات الفرنسية ونسافر على إير فرانس.

إننا شعوب عاطفية غير منتجة، وماتت فينا الغيرة، قوميتان فقط في المنطقة تكاد تبتلعنا بشكل نهائي، التركمان والفرس، في الجزائر مثلاً، لو ترفض فرنسا بيع قمحها لنا، ربما نموت جوعاً، ومساحتنا تفوق مساحة فرنسا 5 مرات.

إن مقاطعة البضائع الفرنسية مسألة جيدة، لكنها ظرفية، وستتم مقاطعتها تلقائياً، حتى لو أشادت فرنسا بالدين الإسلامي عندما تكون لدينا وفرة في الإنتاج، ثم تعالوا أدلكم على كيفية الانتقام من فرنسا: أوقفوا تدريس شعوبكم اللغة الفرنسية بأموال الشعب، فالفرنسية هي التي تخلق التبعية لباريس.

وربما يعتبر الكاتب والروائي الموريتاني «موسى ولد ابنو» هو الوحيد الذي فهم قوة هذه المعادلة، عندما أعلن تخلّيه عن الكتابة باللغة الفرنسية، ودعا الكتاب والأدباء الذين يكتبون باللغة الفرنسية فعل ذلك. لكنني متأكد أنهم لن يفعلوا، لقد ضربونا بعد أن عرفونا.

#بلا_حدود