الاثنين - 14 يونيو 2021
الاثنين - 14 يونيو 2021

اليهود في «حضرة المحبوب»

لميس فايد
باحثة ومترجمة في الفلسفة اليهودية جامعة هامبورغ - ألمانيا

" تعال..تعال.. لا يهم من أنت، ولا إلى أيّ طريق تنتمي.. تعال لا يهم من تكون..عابر سبيل، زاهد، أو عاشق للحياة..تعال فلا مكان لليأس هنا.. تعال حتى وإن كنت أخللت بالتزامك 1000 مرة.. فقط تعال لنتكلم عن الله".

أستهل بهذه العبارة الشهيرة من «مثنوي» مولانا جلال الدين الرومي البلخي (1207-1237)، الذي لم يعرفه قطاع كبير من العرب المسلمين، مقارنة بغيرهم من المسلمين من أهل فارس وغيرها من بلدان العالم الإسلامي غير الناطقة بالعربية.

إذا ما أُشير إلى «مولانا» فالمقصود به هو جلال الدين الرومي، الذي جمع بين العقل والروح، فخاطب الجميع من مختلف الملل والنحل على مر العصور، وما أشد الحاجة لحضوره اليوم في ظل الصراعات التي تأخذ طابعاً دينياً، ليذكرنا بأن هناك خياراً آخر غير الصراع، ولغة أخرى غير الحرب والكراهية والصراع على السلطة، وهو خيار لغة القلوب، ألا وهو: التصوف الإسلامي، أعظم منتجات الحضارة الإسلامية، ولا يفقد أصالته ولا جودته كلما مرّ الزمن، فالنفس البشرية هي النفس بالأمس واليوم وغداً بضعفها ومخاوفها، وكوامنها من الشر والخير.

فلا عجب أن يحضر التصوف في الحوار الديني اليوم في الغرب وبعض بلدان المشرق الإسلامي، فالهدف من الحوار الثلاثي بين أتباع الأديان الإبراهيمية الثلاثة هو التعرف على الآخر عن قرب، والحديث معه وسؤاله بشكل مباشر، وشتان ما بين المعرفة بالآخر عن طريق احتكاك مباشر، والمعرفة عنه من مصدر آخر، يحكمه الغرض.

يمتد هذا الحوار الديني لما يقرب من أسبوع، يشهد خلاله الأطراف الثلاثة بعضهم البعض في لحظة خاصة جداً، ألا وهي الصلاة، بمعنى عندما يحضر المسيحي واليهودي ويستمعان إلى خطبة الجمعة، يزول سوء فهمهما عن الإسلام، وهكذا عندما يحضر المسلم تجربة القداس وسؤال الآخر عن معناه ورموزه، وأخيرا تأتي تجربة «يوم السبت» أقدس أيام اليهود، ويبدأ من مغرب الجمعة إلى مغرب السبت.

أشدد هنا أن مشاهدة الآخر في صلاته لا تعني أن تشاركه فيها، فلكل منا عقيدته وطقوسه، وأخيرا يُقام الذكر أو الحضرة وهو الوحيد القادر على جمع الكل فيه، ولا يظن أصحاب نظرية المؤامرة أن ما يحدث اليوم هو بدعة ومؤامرة، فاسألوا تاريخ سلاطين الهند المغول: كيف اعتنق المغول الإسلام وقت اجتاح فيه رعب المغول العالم الإسلامي، ولكن كان التصوف والمتصوفة بخير، حين كان هناك نجم الدين كبرى يقيم الذكر، ويجمع الخائفين في لحظات قلق العالم وخوفه من المستقبل؟

أسالوا هضبة «المقطم» في شرق القاهرة وتراثها الروحي، والمتصوفة الذين سكنوها وما تسببت به من مشاكل للطائفة اليهودية كما أخبرتنا عنها «وثائق الجنيزة»، التي حفظت تاريخ الطائفة اليهودية في مصر. واسألوا جلال الدين الرومي: لماذا بكاه اليهود والمسيحيون في جنازته؟

#بلا_حدود