الثلاثاء - 09 مارس 2021
Header Logo
الثلاثاء - 09 مارس 2021

أكثر من أمريكا

أحمد المسلماني
رئيس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية، عمل مستشاراً سابقاً للرئاسة المصرية، له العديد من المؤلفات السياسية، قام بتحرير كتاب "عصر العلم" تأليف الدكتور أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في العلوم، تقديم الأديب نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب.
سألني أحد القرويين: ما أخبار نيفادا؟ هل انتهى الفرز في الولاية؟ كان السؤال مفاجئاً بالنسبة لي، ذلك أن السائل يعيش في قرية ريفية نائية، ولم يتحصّل على شهادة تعليمية، كما أن موضوع الحديث يتعلق بإحصاء الأصوات في ولاية ضمن الولايات الأمريكية الـ50.

كان ذلك المشهد معبراً عمّا صارت إليه الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فقد أصبحت تلك الانتخابات عالميّة بقدر ما هي أمريكية، فالصين وروسيا وأوروبا والعالم العربي ينتظرون نتائجها بالترقّب ذاته لدى الأمريكيين.

أصبحت ولاية نيفادا وكذلك ولايات بنسلفانيا وويسكونسن وميشيغان موضع متابعة تفصيلية، صوتاً وراء صوت.


إلى هذا الحدّ أصبح البيت الأبيض حاضراً في كل بيوت العالم، وإلى هذا الحدّ بات على الجميع أن يعيد حساباته كلما تغيّر ساكن هذا البيت.

لكن شيئاً مُهماً طرأ على ذلك التأثير الكبير للولايات المتحدة، إنه ليس بالجيّد على أي حال.. ذلك أن الانقسام الأمريكي لم يعد سياسياً يتعلق بالسباق بين الحزبين، بل صار فكرياً وأيديولوجياً، وهذا مكمن الخطر على الإمبراطورية.

كانت الولايات المتحدة في الخمسينات والستينات تواجه ذلك الانقسام الأيديولوجي المحدود، حيث كان الحزب الشيوعي الأمريكي يكتسب موطئ قدم جديدة كل يوم، ولم يكن من السهل إيقاف الزحف الأحمر على القوة العظمى التي ألقت قبل قليل أول قنبلة نووية في التاريخ.

لم تجد أمريكا حلاً فكرياً لمعضلتها الفكرية، ورأت أن القوة في مواجهة الفكرة هي الحل، وكانت المكارثية التي سحقت الشيوعية هي ما أعادت أمريكا إلى ما كانت عليه.

واليوم بعد عقود طويلة من الاستقرار الأيديولوجي، تواجه واشنطن تحدياً كبيراً إزاء حالة الانقسام الفكري في البلاد.. إنه الانقسام الحادّ الذي يقارب الحرب بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي، ثم إنه الانقسام داخل الحزب الجمهوري الذي بات «ترامبياً» أكثر مما هو جمهوري، وهو أيضاً الانقسام بين الجمهوريين وبين اليمين المتطرف الذي يصل عند أطرافه القصوى إلى الحزب النازي الأمريكي.

ثم إنه الانقسام الحادّ داخل الحزب الديمقراطي، إنه الانقسام بين التيار المعتدل الذي يمثله بايدن، والتيار التقدمي (اليساري) الذي يمثله بيرني ساندرز وآخرون، ثم إنه الانقسام بين الديمقراطيين وبين اليسار المتطرف والجماعات الفوضوية.

يجد بعض الجمهوريين في اليمين المتطرف سنداً أيديولوجياً وتصويتياً، ويجد بعض الديمقراطيين في اليسار المتطرف سنداً كذلك، ولكن ما هو سند اليوم قد يصبح المتن لا الهامش في المستقبل، وهنا مكمن الخطر على حالة الاستقرار الأيديولوجي الأمريكي.

يحمل التقدميون في الحزب الديمقراطي أفكاراً جديدة، وباتوا يربحون المقاعد والمنابر، وربما لا يجد الحزب بعد بايدن من يتم الاتفاق عليه من دون تقسيم الحزب نفسه أو الدخول في تصدع كبير.

إن الحزب الجمهوري بدوره أصبح أسير الأصولية الدينية في حزام الإنجيل، ومن الصعب صناعة هوية للحزب من دون ذلك المكون التصويتي الكبير، إن أكبر تحديات أمريكا ليست روسيا أو الصين، بل هي أمريكا ذاتها.
#بلا_حدود