الثلاثاء - 26 يناير 2021
Header Logo
الثلاثاء - 26 يناير 2021

إيران.. وفخري زاده آخر

كان على إيران قبل أن توجّه رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن الدولي تشكوهما اغتيال «محسن فخري زاده» وتحمّل المسؤولية لإسرائيل، أن تتعاطى مع ملف التخصيب النووي بكثير من المرونة والتواضع الدبلوماسي لتجنيب شعبها ونُخُبه تداعيات مناوراتها المحكومة بأيديولوجية متعالية عمياء، فهي لم تنتبه إلى تبعات مواقفها المنغلقة، وهي تعترف بتجاوز سقف 300 كلغ من اليورانيوم المنخفض، كما هو محدد في توقيع الاتفاق النووي عام 2015.

لم تدرك باستعجالها في التسلّح لبسط هيمنتها على المنطقة دون وعي منها أن ميزان القوى الدولي ليس في صالحها، وأن هذا سيدخلها في دورة عكسية لأهدافها، تستنزفها بالتدرج إلى حدّ وقوعها في فخ المغامرة والزجّ بالمنطقة في أتون تجربة صدام حسين غير المحسوبة.

حقاً، تعتبر جريمة اغتيال فخري زاده فعلاً إرهابياً موصوفاً يستوجب الشّجب والاستنكار، وهو موقف الاتحاد الأوروبي ذاته، وأن ضلوع الموساد الإسرائيلي في تنفيذها حسب «نيويورك تايمز» ثابت ثبوت قيامه باغتيالات شبيهة لرموز النخبة الإيرانية نفسها، وهذا ما أكدته صحيفة ديلي تلغراف أن الفعل المشترك للمخابرات الإسرائيلية هو تكرار نفس الأداة الإرهابية عبر اغتيال المستهدفين من العلماء النوويين الإيرانيين في سياراتهم، فضلاً عن أن نتنياهو قد ذكر زاده بالاسم، وهو بصدد عرض الملفات السرّية للبرنامج النووي الإيراني سنة 2018.


وإذا كانت خلفيَّة هذه الجريمة تسديد ضربة موجعة لأهداف إيران النووية وإرباك مؤسسة الأمن الداخلي، وبثّ الرّعب في نفوس العلماء النوويين، فإنها تبدو خاطئة وغير دقيقة، نظراً لكون البرنامج النووي الإيراني برنامجاً أيديولوجياً لا تحكمه الرغبة التقنية والربح الاقتصادي، وإنما يحدّده مشروع عقدي سياسي يحلم باستعادة الإمبراطورية الفارسية بمنظور شيعي صارم.

ولذلك، فإن مواجهة الطموح الإيراني لن تتحقق بالطرق التقليدية «الموسادية» القائمة على اغتيال الرموز والقادة، وإنّما ببناء ترسانة فكرية مضادة وواقعية، مضبوطة في الزمان والمكان لها أجندات في التواصل والتأثير، هدفها التعبئة المستدامة في المنطقة ضد خطورة المشروع الإيراني.

لن يزيد مخطط الاغتيالات إلا توحيد الإيرانيين، وتأجيل معاركهم ضد النظام السياسي الذي يشهد تدهوراً ملحوظاً، بل سينعش هذا النظام بإعطائه فرصة إيجاد تبريرات لتشدّده ولوجاهة أيديولوجية، ثم تصريف أزماته الداخلية بتوجيه الشعب والمعارضة إلى الانشغال بسيادة الدولة والوحدة الوطنية أمام التهديدات الخارجية.

لم يزد اغتيال فخري زاده، الذي يضاف إلى 4 خبراء نوويين تعرضوا لنفس المصير، إلا تعاطف النخب الإيرانية مع موقف الدولة من أمريكا وإسرائيل، وهو الموقف الذي بات شعبيّاً يعكسه الشارع الإيراني، ومناسبة للنظام السياسي للعب دور الضحية واستثمار خطاب المظلومية في أفق تمنيعه الذاتي وتجذّره السياسي والأيديولوجي.

وأكاد أجزم أن النظام السياسي الإيراني واعٍ بما تخلّفه هذه الاغتيالات من إيجابيات تعود لصالحه، وأنّ قتل فخري زاده لا يحول دون تحقيق مشروعه النووي، لأن تجربته وعلمه قد نُقلا احتياطاً إلى فخري زاده آخر.
#بلا_حدود