الثلاثاء - 26 يناير 2021
Header Logo
الثلاثاء - 26 يناير 2021

بقعة ضوء من «المدينة المحرّمة»

ساتوشي إيكوتشي
أستاذ في جامعة طوكيو، مفكر وأستاذ قسم الأديان والأمن العالمي في مركز أبحاث العلوم والتكنولوجيا المتقدمة (RCAST) ـ جامعة طوكيو. يشمل تخصصه السياسات الإسلامية والسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط والعلاقات الدولية بين آسيا والشرق الأوسط.

تواصل الصين حملتها ضد أستراليا عبر منصّات التواصل الاجتماعي، ويوم 30 نوفمبر الماضي، نشر «زهاو ليجيان» الناطق باسم وزارة الخارجية الذي أصبح مؤخراً من عُتاة دبلوماسيي «الذئاب المحاربة»، على حسابه في موقع تويتر الذي تم التحقق منه، صورة مزيّفة لجندي أسترالي يهدّد طفلاً بقطع رقبته بسكين، وظهر في خلفيَّة الصورة علما أستراليا وأفغانستان.

ومع رفض الحكومة الصينية الاعتذار عن هذا الفعل المشين، وبعد أن بقيت الصورة على رأس صفحة حساب «زهاو» على موقع تويتر وكأنه استفزاز آخر، لم يعد الأمر يتعلق بعملية افتراء مكشوفة من جانب الناطق الصيني، بل أصبح موقفاً رسمياً، ولا يمكن لأحد أن يصدق أن تتجنّد الصين فجأة للدفاع عن حقوق المسلمين الأفغان وعن حرية التعبير لمسؤوليها.

وقد يعبر هذا السلوك المنحرف عن تغيّر واسع النطاق في موقف الصين من العالم، وسوف تتواصل حملة الافتراءات والادعاءات المزيفة حتى إخضاع رئيس وزراء دولة ذات سيادة (أستراليا) للضغوط الصينية والركوع لها.

ويعرف مواطنو دول شرق آسيا حق المعرفة، أن هذا الطراز من نظام «الحكم المتمركز الصيني» والبروتوكولات السياسية الملحقة به ليس جديداً، بل كان حقيقة قائمة منذ فجر التاريخ، وفي ظل هذا النظام الذي كان يرتقي ثم يسقط وفق وتيرة دوريّة خلال تاريخ شرق آسيا، فرضت إحدى الأسَر الحاكمة في الصين من جانب واحد أن تكون الدول المجاورة لها في وضع متدنّ، وكانت تطلب من كبار مسؤولي كل دولة أن يأتوا لزيارة «المدينة المحرّمة»، وهو الاسم الذي كان يطلق على عاصمة الإمبراطورية الصينية، من أجل تقديم التحيات.

وخلال الفترة المضطربة من التاريخ الصيني المعاصر، انهارت الأسس التي تقوم عليها «دبلوماسية الركوع»، وسقط معها نظامها العالمي لانتظار التحيات التي تحمل معنى الخضوع من مسؤولي الدول الأخرى، وبذلت بكين جهوداً ضخمة من أجل الدخول في النظام العالمي المعاصر والاعتراف بها باعتبارها دولة عادية وذات سلوك طبيعي كشأن بقية الدول.

ومع ذلك، يبدو أن الحلم الصيني الحقيقي والأبعد مدى باستعادة وضعها المتميّز في نظام عالمي جديد يكون متمركزاً حولها، أصبح على وشك التحقيق.

وأصبحت أستراليا مؤخراً في طليعة الدول التي تحظى سياساتها باهتمام الصين، ولقد عمدت مؤخراً إلى حظر استقدام تكنولوجيا «هواوي الجيل الخامس» Huawei G5، وتبنّت قوانين جديدة تهدف إلى منع الهيمنة الصينية على اقتصادها.

يبدو كأن الدعوة المبكرة التي أطلقتها أستراليا لإجراء تحقيق دولي يتعلق بمسؤولية الصين عن نشر فيروس كورونا، كانت بمثابة «الضوء الأحمر» بالنسبة للصين، وجاء ردّ الصفعة من بكين بفرض عقوبات اقتصادية تقضي بحظر استيراد النبيذ والفحم والشعير والقطن من أستراليا.

والآن، جاء دور المرحلة التالية من الشتائم والسباب اللفظي الصيني. فهل يشكل خضوع رئيس الوزراء الأسترالي «سكوت موريسون» للضغوط الصينية دروساً مفيدة لبقية دول منطقة المحيط الهادئ ــ الهندي؟

#بلا_حدود