السبت - 27 فبراير 2021
Header Logo
السبت - 27 فبراير 2021

بشأن فقهاء السلاطين

أحمد المسلماني
رئيس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية، عمل مستشاراً سابقاً للرئاسة المصرية، له العديد من المؤلفات السياسية، قام بتحرير كتاب "عصر العلم" تأليف الدكتور أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في العلوم، تقديم الأديب نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب.
اعتادَ المتطرفون الإسلاميون وصْم معارضيهم بأنهم «فقهاء السلاطين»، وجرى تقسيم رجال الدين المسلمين إلى «شيوخ السلاطين» و«شيوخ الثوريين»، وبناءً على هذا التقسيم قام المتطرفون بوضع العلماء «المعتدلين» و«الوسطيين» و«المجددين» في إطار «فقهاء السلطان».

راحَ هؤلاء يروجون بأنّ كل فتوى معتدلة هي جزء من نفاق السلطة والامتثال للحاكم، كما جرى نعت كل رؤية واقعيّة ترعى مصالح الأمة بأنها رؤية انبطاحيّة تعارض ثوابت الدين.

وكلما حاول أحدهم تطبيق فقه المقاصد، ومراعاة درء المفاسد وجلب المصالح، انطلق المتطرفون يصفون ذلك بالتفريط في الدين والدنيا، وتمكين غير المسلمين من قيم وشريعة المسلمين.


لقد جرى ذلك «الإرهاب الفكري» على مرِّ تاريخ المسلمين، لكنّه اليوم أكثر خطورةً من أي وقت مضى، نظراً لتراجع ترتيب المسلمين في معظم المؤشرات العالمية، حيث يمتلئ محرك البحث غوغل بكمّ هائل من وسائل الحرب النفسية وترويع المعتدلين، وهناك العديد من المواقع والمنتديات التي تطرح سؤالاً دائماً بشأن كل رجال الدين الإسلامي، مفاده: ما رأيكم في عقيدة هذا الشخص؟ ثم سرعان ما ينبري القائمون على الموقع في تجريح عقيدته، والطعن في سلامته الدينية.

إن تنظيم داعش أصدر أكثر من (200) كتاب، كما واظبت آلته الإعلامية على إصدار مجلة «دابق» والرسائل الصوتية والمرئية لمدة طويلة، وتمثل إصدارات داعش نموذجاً لتلك الوفرة الهائلة من المواد المتطرفة التي تعتبر كل ما عداها نموذجاً في الخروج على الدين، وأن القائمين على تصويب الرؤية وتقديم الإسلام الصحيح هم حفنة من فقهاء السلاطين!

إن كل أدبيات جماعة الإخوان، ومعها أدبيات جماعات الإسلام السياسي - باستثناءات نادرة للغاية - تذهب إلى وصف كل علماء المسلمين من خارجهم بأنهم «فقهاء السلطة»، ثم إنهم يواصلون الهجوم والسباب قائلين: «الذين باعوا دينهم بدنياهم»، و«الذين ارتضوا الدنيّة في دينهم»، و«الذين يشترون بآيات الله ثمنًا قليلاً».

لقد نجحت الحملة النفسية التي خاضها المتطرفون ضد المعتدلين لعدة قرون، جرى الشك في رموز الاعتدال وفقهاء الوسطية، باعتبارهم جزءاً من دوائر النفاق السياسي، التي تقف بأبواب السلطة لأجل جمع الدنانير!

إن أول ما يجب على العلماء المعتدلين هو ازدراء هؤلاء المتطرفين، والمضي قدماً في تقديم صحيح الدين وما ينفع الناس، والاستعداد لتجاهل هذه الماكينة الكبرى من الإساءة والتشويه.. إن أول الخُطى في هزيمة الإرهاب هي الجرأة على الاعتدال.

لا شك أن عدداً ممن يتصدرون العمل الديني من غير المتطرفين يسيئون إلى دعوة الاعتدال، ذلك أن بعضاً منهم منافق حقاً، كما أن بعضاً منهم يحاول استغلال الحرب ضد الإرهاب ليحقق مطامعه الشخصية، ثم إن بعضاً منهم أغوته «تريندات» وسائل التواصل الاجتماعي، فراح يأتي بكل غريب.

وفي الوقت الذي يجب أن يعمل الوسطيون دون خوف من حملات «فقهاء السلطان»، يجب تنقية الوسطيين ممن يرون الاعتدال وسيلةً لا غاية، وطريقةً لا طريقاً.
#بلا_حدود