السبت - 08 مايو 2021
السبت - 08 مايو 2021

هكذا يكون الحوار بين المختلفين

في عام 1938 نشر الدكتور إسماعيل أدهم دراسة عنوانها: «لماذا أنا ملحد؟»، رداً على دراسة للشاعر زكي أبوشادي عنوانها: «عقيدة الألوهية»، وما أن صدرت دراسة إسماعيل أدهم حتى قام العلامة محمد فريد وجدي، مؤلف الموسوعة الإسلامية بالرد عليها في دراسة مطولة نشرتها مجلة الأزهر عنوانها: «لماذا هو ملحد؟»، ثم قام الشاعر زكي أبوشادي بالرد أيضاً على أدهم بدراسة عنوانها: «لماذا أنا مؤمن؟»، ثم جاء رد شيخ الإسلام مصطفى صبري على الجميع، في كل هذا نجد نموذجاً متميزاً للحوار الراقي المنطقي، الذي يتناول الحجج ويفنِّدها بطريقته وطبقاً لقناعاته وأدلته، دون تهجم شخصي، أو سباب، أو أوصاف أخلاقية، أو أي شيء ينال من صاحب الفكرة، نجد فقط حوار أفكار، أو حِجَاجاً، أي مقارعة الحجة بالحجة، مع الاحتفاظ بكامل الاحترام والتقدير للطرف الآخر.

وقد كان مقال الأستاذ محمد فريد وجدي نموذجاً في الالتزام بأدب الحوار، حيث لم يُخاطب إسماعيل أدهم إلا مسبوقاً بلقب دكتور، وحيث لم يطلق أحكاماً، ولم يخرج أيضاً بنتائج حول شخص الكاتب أو نواياه، ولم يكفّر أو يبدِّع أو يفسِّق، بل كان يأتي بفقرات الدكتور إسماعيل أدهم، ويرد على كل فقرة بعد أن يضعها كاملة في متن دراسته، قمة الذوق والأدب، نموذج للحوار الملتزم بأدب الاختلاف.

هذا النموذج من الحوار الراقي الذي يحترم فيه المتحاورون بعضهم، والذي تعلو فيه الأفكار على الأشخاص، والذي يلتزم بالأدب العالي، والذي يهدف إلى تجلية الحقائق، والإقناع بالحجة والبرهان، والذي لا يهدف إلى نفي الآخر، أو نزع الشرعية الأخلاقية أو الوجودية عنه، والذي يعلِّم الناس كيفية الاختلاف، كل هذا في حوار يتعلق بجوهر الدين والعقيدة، بالإيمان والإلحاد.


هذا الحوار دار بين مؤمن وملحد، بين من يؤمن بوجود الله، ومن ينكر وجوده، هذا الحوار الراقي ليس في قضية سياسية خلافية، وليس حواراً حول حادثة معينة أو موقف سياسي متغير تختلف حوله الآراء بطبيعته، وليس حول سياسة من السياسات.

هذا الحوار حدث منذ أكثر من 80 عاماً، كنا قوماً نبحث عن الحق والحقيقة، فأين نحن الآن؟ هل حافظنا على هذه التقاليد؟ أم أضفنا إليها وعلمناها للدنيا؟ أم أننا تخلينا عنها وعُدْنا همجاً رعاعاً تسبق ألسنتُهم عقولَهم، وتعلو أصواتهم أكثر من حججهم ومنطقهم، ويتهمون من يختلف معهم، ويطعنون في دينهم وأخلاقهم، ماذا فعل الزمان بنا؟ وماذا فعلنا بأنفسنا؟ وماذا فعلنا بالآخرين؟
#بلا_حدود