الاحد - 11 أبريل 2021
الاحد - 11 أبريل 2021

«كوفيد-19».. وتسريع مشروع العولمة

ساتوشي إيكوتشي
أستاذ في جامعة طوكيو، مفكر وأستاذ قسم الأديان والأمن العالمي في مركز أبحاث العلوم والتكنولوجيا المتقدمة (RCAST) ـ جامعة طوكيو. يشمل تخصصه السياسات الإسلامية والسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط والعلاقات الدولية بين آسيا والشرق الأوسط.
في ظل الغموض الذي يغلّف أطر حياتنا كلها أثناء استمرار حالة الإغلاق بسبب جائحة فيروس «كوفيد-19»، فإن من الواضح أن تطور مظاهر التحول نحو العولمة لا يزال متواصلاً على أسس رقمية وفي إطار «الكرة الأرضية المعلوماتية» information sphere. وبالرغم من أن تحركاتنا الجسدية وتنقلاتنا بين حدود الدول تقلصت إلى حد كبير أو كادت تنعدم تماماً، إلا أن الاتصالات وتقنيات التواصل المتجددة وأساليب التفاعل بين البشر بالصيغ الافتراضية تزايدت واكتسبت المزيد من العمق والقوة.

وبعد أن أصابت حالة من الانفصام حياتنا الفكرية بسبب عمليات الإغلاق المتواصلة، والالتزام بالقيود الخاصة بالوقاية من فيروس «كوفيد-19»، سرعان ما عاد الاتصال باستخدام أدوات وتطبيقات مبتكرة.

وتُجسد ظاهرة الارتفاع الهائل في أساليب استخدام البرنامج التطبيقي «زوم» Zoom في العام الماضي مدى حيويّة الروح الجديدة، التي باتت تميز حياتنا في ظل استمرار عمليات الإغلاق، ونحن نرى الآن كيف أن معظم المؤتمرات والاجتماعات «المادية» التي كانت تنعقد وتنظم على المستوى الدولي، ألغيت بالرغم من أننا أصبحنا نعقد عدداً أكبر من المجالس الحوارية بتقنية المؤتمرات الافتراضية من دون إقامة أي اعتبار للمسافات المتباعدة التي تفصل بين المشاركين فيها.


ونحن نشعر الآن بالدهشة من السرعة التي أصبح فيها مصطلح «اختلاف التوقيت» عديم الأهمية، وبالطَّبع لا يمكننا حتى الآن أن نتجاوز الحقيقة التي تفيد بأن الشمس تشرق في الصباح من الشرق، وأنها تغرب في المساء في الغرب.

وهكذا أصبحنا غارقين في إجراء المكالمات الهاتفية المرئية «مكالمات الفيديو» لمرّات متتالية لا تبدو لها نهاية، وأصبح الناس يكثرون من عقد الاجتماعات والندوات عبر الإنترنت، وخاصة منها تلك التي تنظمها الشركات ومراكز البحوث والمؤسسات والجامعات، وكلها تتم، فيما يكون المشاركون فيها مستندين على الأرائك في غرف المعيشة بعد أن سجنتهم فيها إجراءات الإغلاق، وبات لدينا الآن الوقت الكافي للتفكير والتدبّر بالموضوعات الأكثر أهمية التي سبقت مناقشتها خلال المؤتمرات الافتراضية.

ونحن نقضي الآن معظم وقتنا في الليل والنهار أمام شاشات أجهزة الكمبيوتر، نتحدث مع شركائنا ومتعاملينا في البلدان البعيدة من دون الحاجة لتحمل أعباء السفر إليهم، ونخاطب زبائننا ونجيب على أسئلتهم من دون أن نلتقي بهم أبداً، ويبدو الأمر كما لو أننا أصبحنا موظفين في مقاسم هاتفية نعمل فيها على مدار الساعة.

كان شارلي شابلن الذي يعدّ أهم ممثل ومخرج للأفلام الكوميدية الصامتة، قد قدم في عام 1936 فيلماً بعنوان «العصور الحديثة» Modern Times عالج فيه بكم كبير من السخرية معاناة العيش في أوائل القرن العشرين من خلال طرح قصة عامل مصنع يعمل كالآلة في خط للتجميع. فكيف كان شارلي شابلن سيصف حياتنا في ظل قيود الإغلاق لو عاش حتى الآن؟.. أنا على ثقة من أنه سيختار رجلاً مثقفاً يعمل لديه كما لو أنه موظف هاتف متخصص بمخاطبة الجماهير.
#بلا_حدود