الخميس - 15 أبريل 2021
الخميس - 15 أبريل 2021

الغنوشي.. والافتراء على تاريخ المغرب

تثير مناسبة الرد على الغنوشي رئيس حزب النهضة، وهو يتحدث في مقابلة مع إذاعة «ديوان» عن اتحاد مغرب عربي بدون المغرب، التذكير باستحالة وجود مغرب عربي بدون المغرب الأقصى.

صحيح أنّ دواعي هذا الإعلان سياسية ولا تعكس البتّة قناعته الداخلية وتدخل في سياق مناوراته لفك طوق العزلة التي بات يعيشها الإخوان في تونس، ابتداء من محاولة سحب رئاسة البرلمان منه نظراً للشبهة التي أثارتها زيارته لتركيا.

لم تكن هذه المناورة موفّقة نظراً لقوّة الحجّة التاريخية بكل أبعادها التي تجعل من المغرب الأقصى أساساً مركزياً لأي اتّحاد مغاربي، لنذكّر الغنّوشي بأنّ كل مشاريع توحيد المغرب المغربي ضمن مجال واحد كانت تنطلق من المغرب الأقصى وبمبادرته منذ المرابطين، ومروراً بالموحّدين والمرينيين إلى الوقت الراهن.


ولعلّ المشروع التوحيدي للمهدي بن تومرت وهو يضع تصوّراً مجالياً قائماً على استراتيجية سياسية وروحية دليل على أصالة مبادرة المغرب الأقصى لتحقيق وحدة مغاربية عربية وأمازيغية.

لا ننسى أنّ الدولة الحفصية التي حكمت تونس لقرون تُعتبر امتداداً للمشروع الكبير لدولة الموحّدين، وأصل الحفصيين من منطقة «هنتاتة» وعاصمتها «تنمل» وهي منطقة مراكشية، كما أنّ التوحيد الديني والروحي كان دائماً يأتي من المغرب الأقصى وهو يمدّ المغاربيين بالمشايخ الكبار لنشر وتثبيت الشّاذلية والزرّوقية والجزولية والسنوسيّة والتيجانية حتى ظهور الاستعمار، بل إنّ الشاذلية نفسها التي رسّخها الشاذلي في القرن السّابع الهجري في تونس، كانت بإيعاز من شيخه عبدالسّلام بن مشيش المغربي وبمواكبة فقهية مغربية لا يزال أثرها حاضراً إلى حدود الآن، وتعتبر محاولة أبي الحسن المريني الذي جعل من البلاط التونسي آنذاك تابعاً له، آخر محاولة في التاريخ القديم لتحقيق مشروع الوحدة المغاربية الكاملة، وهذا ما رصدته القصيدة الشعرية الشهيرة للشاعر المغربي الكفيف الزرهوني في القرن الثّامن يتحسّر فيها على هذا الإخفاق، ومع ذلك ظل المغرب مبادراً عبر التاريخ لتحقيق هذا الحلم، والنخب التي أفرزها لحمل هذا المشروع تؤكّد هذه الريادة التاريخية، آخرها تأسيس عبدالكريم الخطابي لجنة وحدوية في القاهرة أطلق عليها «لجنة تحرير المغرب العربي» ضمّت الأحزاب الاستقلالية في كل من تونس والجزائر، كما أسّس النّواة الأولى لجيش تحرير المغرب العربي، حيث قام بإرسال بعثات من الدول المغاربية لتلقي العلوم العسكرية.

يعتبر هذا التّناسي الذي تسلّط على ذاكرة الغنوشي تجنّياً صريحاً على التاريخ الأصلي للهويّة المغاربية الزّاخرة بالتعدّد والتنوّع، وكان عليه أن ينتبه إلى أنّ «عماه» السياسي الذي اعتقد من خلاله خلط الأوراق في المنطقة بحثاً عن منفذ ذاتي لخلاصه السياسي، يعتبر أذية مباشرة لمشروع الوحدة المغاربية نفسه، ولن ينجح من ورائه في الردّ التركي بالوكالة على المغرب الذي لعب دوراً استراتيجياً في تنظيم المصالحة الليبية وإنجاحها، وهذا عمل تأكيدي آخر على مركزية المغرب في أيّ وحدة مغاربية مرتقبة.
#بلا_حدود