الاحد - 11 أبريل 2021
الاحد - 11 أبريل 2021

العراق بين سفيرين

عمر عليمات
مستشار إعلامي، كاتب ومحلل سياسي، متخصص بقضايا الشرق الأوسط، عمل في العديد من المؤسسات الإعلامية المرئية والمطبوعة في الأردن والإمارات، كاتب في صحف إماراتية وعربية
رغم الأمثلة الكثيرة على تدخلات دول معينة في شؤون دول أخرى وانتهاكها مبدأ احترام السيادة، إلا أن ما يجري في العراق تجاوز كل الحدود، إلى الدرجة التي أصبحت معها بغداد ساحة للتراشق العلني بين سفيري إيران وتركيا، بشأن وجود قوات أجنبية على الأراضي العراقية.

التصريحات المتبادلة بين السفيرين تتعلق بقضاء سنجار شمال العراق، حيث يمثل أهمية عسكرية لكلا البلدين، فطهران تعتبره منطقة عبور إلى سوريا، فيما تواصل أنقرة ملاحقة أعضاء حزب العمال الكردستاني الموجودين في القضاء بحجة أمنها القومي.

الجميع يدرك أن العراق لم يعُد أكثر من ورقة ضغط وساحة تصفية حسابات، تستخدمها دول الإقليم في تعاملها مع القوى العالمية، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الواقع لن يتغير بأيِّ حال من الأحوال ما دامت الأطراف السياسية العراقية تضع المصالح الوطنية في المرتبة الثانية بعد مصالحها السياسية ومرجعياتها الإقليمية.


المشكلة الحقيقية في العراق تكمُن في أمرين اثنين، الأول: الولاءات الخارجية والارتباطات المصلحية خارج الحدود، والثاني: تخلِّي العرب عن العراق لفترة طويلة وتركه ساحة للقوى الإقليمية، رغم أن بعض الدول العربية تنبهت مؤخراً إلى حجم الخطأ الذي ارتكبته بالابتعاد عن بغداد.

العراق يعيش حالة من الانقسام والتشظي السياسي بشكل يجعله أقرب إلى مفهوم «اللادولة»، فجميع الأطراف تستقوي على بعضها البعض بقوى خارجية، والميليشيات والفصائل المسلحة المرتبطة بالخارج باتت أشبه بجيوش تنافس الجيش الوطني، وسفراء الدول الأجنبية بات كل منهم يمارس دور «المندوب السامي»، يصولون ويجولون دون أي رادع أو احترام للأعراف السياسية والمواثيق الدولية.

يقول الشاعر: «ما حك جلدك مثل ظفرك، فتولَّ أنت جميع أمرك»، لذا على العراقيين أن يقفوا مع أنفسهم قبل أن يقف العالم معهم، وأن يدركوا تماماً ألا أحد يدفع ثمن تشظيهم وتعدد مرجعياتهم وتصارعها سوى الشعب العراقي، فبدلاً من تركيز الحكومة على تحسين معيشة العراقيين، يذهب أغلب وقتها في التعامل مع التدخلات الخارجية.

وعلى الطرف الآخر، فإن العرب مطالبون اليوم بتبنّي سياسة حازمة مع موضوع التدخلات الإقليمية التي تستهدف الدول العربية، فكلما ابتعد العرب شبراً عن العراق وسوريا واليمن وليبيا، تدخلت فيها دول أخرى شبرين وأكثر.

باختصار، على العراقيين أن يراجعوا أنفسهم، وعلى العرب الوقوف مع بغداد قبل فوات الأوان، فما يحدث في العراق لن يقف عند حدوده، إذا لم يقف الجميع وقفة صادقة مع أنفسهم.
#بلا_حدود