الاثنين - 15 يوليو 2024
الاثنين - 15 يوليو 2024

حرية الاختيار قبل التدين

الحقيقة التاريخية تقول إن حرية الاختيار قبل الدين والتدين والإيمان، لأن الإنسان يختار الدين والتدين بإرادته، ويلتزم به بإرادته، لذلك لا يحاسب الإسلام المسلم إلا إذا اكتملت عنده الإرادة، وتحقق فيه الرشد، وأصبح قادراً على الاختيار عند اكتمال عقله بالوصول إلى سن الرشد، وإذا فقد عقله بالجنون أو العته أو الشيخوخة، أو فقد إرادته بالإكراه والإجبار والسجن والأسر، أو بفعل العقار أو المخدر يصبح غير محاسب على أفعاله أمام القانون الدنيوي، وفي الحساب الأخروي، لذلك جعل بعض الفقهاء حفظ العقل مقدماً على حفظ الدين كما في المذهب الشافعي، لأن حفظ العقل هو الأساس، لأنه بدون عقل لا وجود للدين في حياة الإنسان.
وقد رفع العلماء المسلمون الأوائل العقل البشري المسؤول عن حرية الاختيار وحرية الإرادة إلى مرتبة تقترب من الدين والوحي الإلهي، لأن العقل عندهم مخلوق إلهي، هو من روح الله التي نفخها في آدم عليه السلام، وهو من هداية الله للإنسان قبل الأديان، ولذلك ظهر حوار وجدل طويل بين أهل العلم الراسخ حول «التحسين والتقبيح العقلي والديني»، وكان جوهر الحوار: هل يستطيع العقل تحديد الحسن من القبيح في الأفعال والأشياء والتصرفات البشرية بدون الوحي الإلهي المتمثل في الدين؟ أم لا بد من الدين حتى يستطيع الإنسان تحديد الحسن من القبيح؟ وقد اختار بعضهم أن العقل البشري قادر على الوصول إلى تمييز الحسن من القبيح، ولكن اكتمال هذا التمييز يحتاج إلى الوحي، فالوحي يكمل قدرات وطاقات وإمكانات العقل البشري.. إنه نقاش طويل يمكن الرجوع إليه في كتب علم الكلام.
وانطلاقاً من هذه الرؤية العميقة للعقل البشري، كتب الفيلسوف والعالم والطبيب الأندلسي ابن طفيل (1100م -1185م) كتابه الرائع «حي بن يقظان»، وهو يحكي قصة طفل رضيع كان في سفينة مع والديه فغرقت السفينة، ومات كل من كان فيها إلا الطفل الذي ألقت به الأمواج على الشاطئ، فوجدته ظبية وتبنَّته وأرضعته، حتى كبر وشب، ثم ماتت الظبية، وهو يظن أنها أمه، لذلك حزن عليها حزناً شديداً، ولعدم معرفته بحياة البشر، أو بأي شيء غير حياة الغابة، شق صدرها لينقذها، ومن هنا بدأ البحث عن سر الحياة والموت حتى وصل إلى اكتشاف وجود الله الخالق المُحيي المميت، وخلاصة القصة أن الإنسان بعقله قادر على اكتشاف وجود الله، ومن ثم فإن عقل الإنسان وإرادته هما الأساس قبل الإيمان بالدين وقبل التدين.