السبت - 17 أبريل 2021
السبت - 17 أبريل 2021

عودة إلى قبرص

مارك لافيرني
كبير زملاء البحث في الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، محلل أمني سياسي لقضايا الشرق الأوسط.
في شهر يوليو من عام 1973 وصلت إلى قبرص في زيارة خاصة، وخلال الليلة الأولى التي قضيتها في مدينة ليماسول، حدثت سلسلة انفجارات في السيارات المتوقفة على جوانب الشوارع، وعلمت أن الأمر يتعلق بهجوم من تدبير عصابة إرهابية تابعة لمجموعة «إيوكا- ب» EOKA- B المسلحة التي كانت تسعى لضم جزيرة قبرص التي تعاني من الفوضى إلى اليونان.

وفي صباح اليوم التالي، رأيت سيارة فاخرة تنطلق على الطريق الساحلي الغربي، فعلمت أنها تقلُ الأسقف مكاريوس الذي كان يشغل منصب رئيس الدولة القبرصية ويتمتع باحترام كبير من معظم دول وشعوب العالم، وكان كبار العسكريين اليونانيين يعملون على ضمّ الجزيرة لدولتهم بخلاف تركيا التي كانت تسعى لتقسيمها إلى شطرين.

وبعد أن عاش المجتمعان القبرصي اليوناني والتركي بسلام ووئام لعدة قرون تحت حكم الإمبراطورية العثمانية تمزقت هذه اللُّحمة الاجتماعية الآن، وكان لا بد من حماية الأتراك الذين يعيشون في الجانب التركي للجزيرة من طرف كتائب «الخوذات الزرقاء» التابعة للأمم المتحدة، وتمكنت من زيارة ذلك الجزء من الجزيرة بعد أن عبرتُ سلسلة من الحصون والأسوار الحديدية المنيعة لأقع هناك على عالم بدا لي وكأنه يعكس طبيعة الحياة في شوارع إسطنبول، بصحفها الملونة التي تملأ واجهات الدكاكين وموسيقاها الصاخبة التي تنبعث من كل مكان، وسرعان ما اتّضح لي أن هذا الهدوء الاستثنائي لم يكن إلا وهماً.


وبعد يومين، قدم لي فلاحون يونانيون مفتاح كنيسة لأبيت فيها، واستيقظت ذات صباح على جلبة من الأصوات ورأيت ألسنة النيران تتصاعد في السماء فعلمت أن مقاتلي فصائل «إيوكا- ب» أعادت تجميع صفوفها تحضيراً لتنفيذ هجوم مباغت على جيب عسكري تركي يدعى «كوكينا» يقع على الشاطئ، وعندما كنت مختبئاً وراء النافذة، كان في وسعي أن أرى رهطاً من المقاتلين وهم يحتسون الخمور ويصرخون بالغناء الحمَاسي.

وكانت النتيجة الوحيدة لهذه السلوكات الاستفزازية المتكررة قد تجلّت بغزو الجيش التركي للجزيرة بعد عام واحد، وأدى ذلك إلى تنفيذ عملية إعادة فرز كاملة للسكان وتم تجميع الأتراك في الشمال واليونانيين في الجنوب، وما لبث أن شهد الجنوب فترة ازدهاره بعد أن أصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي ممثلاً للجزيرة كلها، فيما بقي الشمال تحت وصاية مزارعين من الأناضول يعكسون واقع الحياة التركية.

وربما يُعاد فتح ملف قبرص المجمد منذ عقود بسبب النشاطات التركية البحرية والسعي للاستحواذ على مكامن الغاز والنفط الدفينة تحت القاع.
#بلا_حدود