الثلاثاء - 11 مايو 2021
الثلاثاء - 11 مايو 2021

جدليَّة الدين والسياسة في فرنسا

محمد زاهد غول
كاتب وباحث تركي، رئيس مركز شرقيات للبحوث بإسطنبول، ورئيس تحرير الإندبندنت التركية، له العديد من الكتب وعشرات الأبحاث والمقالات في الشأن التركي، كما ترجم عدداً من الكتب من التركية إلى العربية
لا يمكن تفسير مظاهر الصراع بين الدين والسياسة في فرنسا ـ وأوروبا عموماً ـ على أنها صراع خالص بين «الدين والسياسة»، حيث إن عوامل كثيرة تتحرك في هذا الوسط الشائك تاريخياً وحاضراً، فأوروبا مرت في مراحل من تاريخها من حركات الإصلاح الديني إلى الصراع الدستوري بين الأجهزة الممثلة للدين والأجهزة الممثلة للدولة السياسية، انتهت بالتفريق بين السلطتين الروحية والمادية، وهذا الحسم الدستوري نظم العلاقة بين الدين والسياسة والمنتمين إليهما، ولم يقض أحدهما على الآخر كلية، وكذلك لم يغير من هويَّة أوروبا الدينية، فبقيت الدول الأوروبية ذات هوية دينية مسيحية، وبقيت الكنائس تنتمي إلى دولها السياسية وتقاليدها الحضارية، وكان من نتائج ذلك التنظيم تقدم الدول الأوروبية عالمياً وصناعياً وثقافياً وسياسياً وغيرها، وأصبح موضع الاختلاف جدلاً فلسفيّاً محضاً.

هكذا يمكن فهم مظاهر الصراع الأخيرة في فرنسا وغيرها بالمطالبة بحظر الحجاب أو تحديد سنه أو تحديد أماكنه، على انها مخاوف من التداخل والاشتباك بين العادات الثقافية والدينية، ما قد يؤدي إلى إضعاف الهوية الثقافية والحضارية الخاصة بالأوروبيين على حساب ثقافات وحضارات وأديان المهاجرين إليها، فالحملة الفرنسية الحالية لحظر ارتداء الحجاب على أي فتاة دون سن 18 عاماً ضمن «مشروع قانون الانفصالية»، هو آخر مظاهر هذه الجدلية بين الدين والسياسة.

وإذا ما كان للجهات المؤيدة لحرية المرأة وتمكينها اجتماعياً وثقافياً من ردود، فينبغي أن تكون ضمن الدستور الفرنسي وحقوق المرأة الفرنسية بوصفها امرأة لا أكثر، دون النظر إلى أصلها وعرقها وقوميتها ودينها وتقاليدها الشعبية، ودون أن ترتكز على مواقف مسبقة من الصراع الديني التاريخي أو دعاوى الصراع الحضاري المعاصر، فالمرأة المسلمة التي ترتدي الحجاب تنسجم مع قناعتها التعبدية والدينية، ولا تسعى لإضفاء صورة الانفصال ولا العداء.


الخشية تنبع من وجود أحزاب في الدول الأوروبية والإسلامية تستثمر أو تستغل أيديولوجيات الصراع التاريخي والمعاصر لتحقيق أهدافها الخاصة ومكاسبها الحزبية، سواء في جمع الأنصار والأتباع، أو التملق لكسب شعبية دوغمائية قبل الانتخابات العامة، بالدعوة إلى شعارات تؤدي إلى كراهية الآخر، كما يحصل مع أحزاب اليمين الأوروبي، أو الأحزاب الدينية في بلاد المسلمين.

إن المؤسسات والجمعيات التي تدرس إصدار تشريعات للفصل بين أتباع الديانات أو لحظر الرموز الدينية في المدارس مطالبة بدراسة العواقب، فقد تجد نفسها أمام مجتمع منقسم على نفسه، بينما ينبغي استثمار هذه الفروق الثقافية والدينية لتشكيل لوحة أكثر جمالاً لأي مجتمع حديث، وأن تبقى المسألة في نطاق الجدلية التاريخية الفلسفية لا أكثر.
#بلا_حدود