الجمعة - 14 مايو 2021
الجمعة - 14 مايو 2021

الكرة.. سياسة لمن يفقهون

عبد اللطيف المناوي
صحفي وكاتب وإعلامي مصري، له تاريخ صحفي طويل، شارك في تغطية الكثير من الأحداث المهمة في مختلف دول العالم. قدم عدداً من البرامج السياسية في التلفزيونات المصرية والعربية. شغل عدداً من المواقع، منها رئيس مركز أخبار مصر في التلفزيون المصري، وآخرها العضو المنتدب ورئيس تحرير صحيفة «المصري اليوم».

انهار الحلم «الانشقاقي»، وتحوّل الدوري السوبر الأوروبي إلى مشروع ميت بعدما أعلنت الأندية الإنجليزية الستة الكبار انسحابها من المشروع، ثم انضمت إليها أندية أخرى.

المشروع لم يعد موجوداً، ومات قبل أن يولد، الاتهام للأندية المشاركة بـ«الجشع والنرجسية والأنانية»، لذلك كان الاعتذار إلى الجمهور في صلب تصريحات وبيانات الأندية المنسحبة، كلها قالت للجمهور: «لقد سمعناكم.. لقد ارتكبنا خطأ ونعتذر عنه».

لقد أثارت قضية دوري السوبر حالة غضب تجاه ملاك الأندية التي شاركت في المشروع من بدايته، واتهمتهم جماهير كرة القدم بمختلف انتماءاتها بالجشع والتفريط، ويبدو أن المشجعين لن يغفروا لهم ذلك رغم التراجع.

وخرجت الصحف الأوروبية لتعلن انتصارها في إعادة الفرقالمنشقةإلى مسارها ضد مشروع دوري السوبر، ووصفت معظمها ما حدث في الأيام الماضية بأنه «حرب كرة القدم الأهلية التي انتهت بهزيمة الجشع».. بدا الأمر وكأنه انتصار لكرة القدم الشعبية على كبار الرؤساء الأثرياء والمساهمين، و«انتصار على الجشع»، بحسب الصحف الأوروبية.

لعبة كرة القدم الحديثة في جامعة «كامبردج» الإنجليزية، في ستينيات القرن الـ19 (1863) على وجه التحديد، كانت لعبة يمارسها أبناء الطبقة الأرستقراطية في سياق تهذيب سلوكهم، وتعويدهم على الالتزام بالقواعد، وتصريف طاقة العنف لديهم، وصدَّرتْها بريطانيا إلى العالم، وحملها المستعمرون وهم يقتحمون العوالم الأخرى.

اليوم، أصبحت جُزءاً من التأثير الثقافي على الآخر مثلها مثل البرلمانات والهيئات الدستورية والانتخابات، فهي مجال للتنافس بين اللاعبين مثلما البرلمان مجال للتنافس بين السياسيين في الديمقراطية الحديثة، والمساواة أساس الديمقراطية وهي إحدى علامات لعبة كرة القدم، المساواة بين اللاعبين والنوادي، وتطبيق نفس القوانين مهما كان حجمها ومكانتها.

كل فريق في مباراة كرة القدم له الحق في نفس عدد اللاعبين، وتطبَّق عليه ولو نظريّاً قوانين اللعبة نفسها، ولكل فريق الحق وبالتساوي في أن تكون له ضربة البداية والأمثلة عديدة.

يتكوّن لدى الجمهور اعتقاد، أو وهم، بأن اللعبة هي تجسيد للقيم الديمقراطية بما فيها من تنافس ومساواة وعدالة ومكافأة على النجاح، واللعبة تعطي قيمة عليا لمكانة الفرد، تعطي للاعب قادم من عوالم الفقر والتهميش فرصة أن يصبح نجماً عالميّاً، فقط ببراعته الكروية وليس بانتمائه الطبقي أو العائلي.

كرة القدم هي لعبة ديمقراطية، يتطلع الناس إليها ويغرمون بها، فهي تحيلهم ولو ذهنيّاً إلى كل المبادئ الديمقراطية.

#بلا_حدود