الاثنين - 10 مايو 2021
الاثنين - 10 مايو 2021

الوقاية من الحروب.. وتجارب الجوع

الحروب في العالم ليست مجرد إطلاق نار، هي نتائج معقدة ومركبة لمخاض شعوب ومجتمعات تمثل الجزء الغاطس في أعماق بعيدة، والذي يظهر منها في المشهد الأخير هو الجيوش والتدمير والحرق والقتل.

ذلك الجزء الغاطس ليس مخفياً كما يبدو للوهلة الأولى، لكنه متداخل في تكوينات نفسية واجتماعية متشابكة حتى يبدو غائباً لشدة حضوره في أعماق النفس، الحروب التي مرت على البشرية كانت مثابة لأبحاث عميقة تلتها وحللتها واستنبطت منها الدروس الكاشفة لاستمرار الحياة من دون تكرارها، وحين كانت حرب جديدة تقع يكون الخلل واضحاً في طريقة توظيف الدرس المستنبط.

بعد أن انتهت الحروب العربية - الإسرائيلية، وقامت مكانها حروب داخلية في أكثر من بلد عربي، أبرزها الحربان اللتان عانت منهما سوريا والعراق، لا تبدو مراكز الأبحاث والجامعات والنُخب على مستوى مناسب في مواكبة ما خلّفته تلك الحروب من تدمير للبنى الاجتماعية قبل البنى التحية للمدن، ولا تزال الجهود فرديّة في البحث والتقصي بما لا يسمح بقيام رؤية عميقة تنفع في توليد عناصر الوقاية المستقبلية التي تحمي مدناً تعداد سكانها بالملايين وباتت خرائب، وأصبح معظم أهلها مشردين ونازحين في داخل بلدانهم أو في أصقاع العالم.


لم يتوقف أحد عند ظاهرة الجوع مثلاً، وكيف حفرت عميقاً في مدينة الموصل بالعراق أو مدينة حلب السورية في فترات طويلة من الحصار خلال الحروب التي مرت عليهما في السنوات العشر الأخيرة، ولم تتوقف هيئات بحثية عند إفرازات ذلك على الأطفال والنساء مثلاً، فضلاً عن غياب الدراسات لتتبع تغيّر المفاهيم الاجتماعية تحت العوامل القسرية الضاغطة.

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وعند تحرير مدن كانت محاصرة وسجناء في معسكرات اعتقال قاسية، تنادى خبراء الصحة الأمريكيين والبريطانيين والهولنديين للوقوف على ما أحدثه الجوع في تلك الأماكن من أثر تدميري، وحاول العلماء القيام بتجربة «الجوع تحت السيطرة» في مراكز أبحاث خضع لها 36 متطوعاً عانوا التجويع التجريبي إلى درجة كانت ضلوع صدورهم ظاهرة للعيان، ونشرت نتائج ما عرف بتجربة مينيسوتا في عام 1950 بمجلدين بعنوان «بيولوجيا الجوع البشري The Biology of Human Starvation» وأسفرت عن تحديث برامج التغذية للجيوش وطرائق خزن المؤونة وقابليات الناس على احتمال التجوع ونوعية الغذاء، الذي ينبغي أن يحمله الجندي الأمريكي في أحوال الطوارئ.. لعلها كانت أبحاثاً حقيقية من أجل السلام.
#بلا_حدود