الاحد - 20 يونيو 2021
الاحد - 20 يونيو 2021

الكلام.. الشهوة المدمرة

يوماً ما في المستقبل القريب، أو البعيد سيكتب التاريخ عن أيامنا هذه أننا كنا غارقين في بحور من الكلام، كلام في غالبه يَكْلِمُ أي يجرح ويُحزن، سيذكر التاريخ أن النخب الثقافية العربية؛ فيما بعد فوران الانتفاضات الشعبية في العشرية الثانية من القرن الـ21؛ كانت تسيطر عليها شهوة الكلام، كان هؤلاء المثقفون سكارى بخمر الكلام، يعبون منها بلا ارتواء، كمن يشرب ماءً مالحاً، يزداد عطشاً كلما شرب أكثر.

تقرأ صحيفة، أو تجلس أمام التلفاز، تشاهد الحوارات، تجد كلاماً فوقه كلام تحته كلام، عالم كامل من الحروف، والكلمات الفارغة الجوفاء، لا حقائق واقعية لها، ولا هدف من قولها، إلا أن تملأ فراغ الفضائيات، وتسوِّد بياض الصفحات بحروف ما فيها من حبر أكثر قيمة مما تحمله من أفكار ومعانٍ.

تحاول أن تخرج بفكرة، أو رؤية، أو طاقة أمل، أو نور معرفة، أو قيمة إنسانية تضيء طريق القادم من أيامك، لن تجد إلا ظلاماً دامساً، سباباً ولعنات، وتشكيكاً، وتشاؤماً، لقد أدمنت نخبة البوم والغربان الحديث عن السلبيات، ومواطن الفشل، وتضخيم الأزمات، ونشر الفضائح، والرذائل في المجتمع.


أمام شهوة الكلام تراجع العقل، وانزوى المنطق، وفقدت كل العلوم مضامينها، لأن المدمنين على شهوة الكلام يعتقدون أن الواقع كله كلام، وأن العالم عبارة عن كلام، وأن الحقائق في الكون يصنعها الكلام، ويغيرها الكلام.

شهوة الكلام أكثر خطورة من جميع الشهوات الدنيئة في الإنسان، لأنها شهوة مدمرة، ينتقل ضررها من القائل إلى السامع أو القارئ، وهم كثر، فيتعدد تدميرها بتعدد من يتلقى الكلام، ويؤمن به، ويعمل طبقاً له، لذلك كل القتل والتدمير الذي يحدث في الدول العربية في عصرنا هذا كان ناتجاً عن كلام في صورة خطب عصماء لسياسيين انتهازيين، أو لرجال دين من عدماء الدين، وتجار الدين، الكلمة قد تبْنِي وقد تهدم، وترفع صاحبها إلى مقام المصلحين، وتهوي به مع القتلة والمخربين.

كنتُ ولم أزل أتأمل لماذا كانت إجابة الله سبحانه وتعالى لسيدنا زكريا بالامتناع عن الكلام؛ في قوله تعالى: «قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألّا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً». (آل عمران - 41).

كيف يكون الصمت آية وعبادة يأمر الله سبحانه بها نبياً من أنبيائه؟ الصمت رياضة وعبادة وحكمة، فما أحوج مجتمعاتنا إليها، نحن في حاجة إلى الصمت في هذا الضجيج الفظيع الذي أذهب العقول، ولوَّث القلوب.
#بلا_حدود