السبت - 19 يونيو 2021
السبت - 19 يونيو 2021

الخوف المُهَاجِر

د. انتصار البناء
كاتبة وناقدة بحرينية، حاصلة على الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث، لها عدة مقالات ودراسات في النقد الأدبي والثقافي والتحليل السياسي في عدة صحف ودوريات عربية
تفيض وسائل الإعلام بمشاهد وصور للمهاجرين واللاجئين الفارين من دولهم، بحثاً عن مكان أفضل يجدون فيه الأمن والاستقرار، وكثير من الصور مفزعة، أطفال، نساء، كبار في السن، يمتطون قوارب بلاستكية أو متهالكة، يتسللون عبر الأشجار، منهم من ينجح في التسلل ويصل، ومنم يعود إلى بلده جثة ملفوفة بالبياض أو السواد، حتى أضحت الهجرة اليوم واحدة من الأزمات الدولية التي يعيشها عشرات الملايين من البشر.

جدال لغوي وقانوني نشب لفترات عديدة حول الفَرق بين المهاجرين واللاجئين، واستقر التعريف على أن اللاجئ هو الذي لديه (خوف) مبرر من الاضطهاد في بلده لأسباب عرقية أو دينية أو انتمائية، أو لمواقف سياسية.

(الخوف) هو الكلمة المفتاحية لطلب اللجوء في كثير من الأنظمة الدولية، وهو الذي كان يفسر في الأوضاع التقليدية السابقة بأنه خوف من الحكومة أو النظام الحاكم، أما مع تطور الصراعات فقد صارت جماعات وجهات غير حكومية تمارس هي الاضطهاد، مثل الجماعات المسلحة المتطرفة، والجماعات التي تشكلها الحروب الأهلية.


العديد من التحليلات أشارت إلى دور الحكومات في التضييق على مواطنيها ودفعهم للهجرة أو طلب اللجوء، من باب التصفيات العرقية، والخوف الذي يبدأ في البلد غير الآمن يرافق طالبي اللجوء طويلاً، وربما، للأبد.

فالخوف يصطحبهم في رحلة الفرار الخطرة، التي قد تنتهي بين أيدي تجار البشر، أو الجهات الأمنية المتعددة التي لا تتوانى عن إطلاق النار على المتسللين المجهولين، قد يسكن الخوف معهم في مخيمات اللاجئين المليئة بمختلف أنواع البشر مضطربي السلوك، وقد يستقر مع استقرارهم وحصولهم على حق اللجوء والإقامة بسبب تزايد الحركات العنصرية ضد المهاجرين وضد الأجانب.

تشير الإحصاءات إلى أن سوريا اليوم هي المورد الأول للمهاجرين واللاجئين في العالم، وكانت قبلها العراق تحتل هذه المرتبة في العقد الأول من القرن الحالي، فيما تعد شواطئ ليببا والمغرب وتركيا اليوم البوابة الكبرى للفارين عبر البحار ولتجار الهجرة، وتجار البشر.

إنها منطقتنا التي أصبحت منطقة صراعات وحروب، يسكنها الخوف، وصارت بيئة طاردة لخزانها البشري الثري.

قليلون من يسعفهم الحظ في اللجوء والهجرة إلى بلد بعيد آمن يعثرون فيه على فرصة عمل أو دراسة، فالهجرة تكتنفها أساطير وآمال كثيرة غير واقعية، وتأسيس حياة جديدة في موقع جديد ليس أمراً متاحاً للجميع، وليست متحققة بمجرد الوصول إلى بلد يحلم به المهاجر.. إنها رحلة عسيرة وقاسية، مليئة بالتضحيات والمعاناة، ويكون الرفيق الأول فيها هو الخوف.
#بلا_حدود