الجمعة - 30 يوليو 2021
الجمعة - 30 يوليو 2021

تونس.. عنف لتحريف الأنظار

عبدالجليل معالي
كاتب صحفي تونسي. حاصل على شهادة الأستاذية في التاريخ. صحفي في جريدة العرب الدولية منذ أكتوبر 2012. له كتابات في مجلة الهلال، وجريدة الأهرام، ونشرية مقاليد، فضلاً عن كتابات في صحف تونسية عدة.
أن يَعْتَدي نائبان من ائتلاف الكرامة (التيار الإسلامِي القريب من حركة النهضة) في مناسبتين على رئيسة الحزب الدستوري الحر، عبير موسي، تحت قبة البرلمان، فذلك يعني أن العنف استوطن أهم مقر للسلطة في تونس، ووجد من يذود عنه ومن يناصره، إن لم نقل إنه وجد من يحثه على فعل المزيد.

مفيد التذكير بالسجلّ الطويل لائتلاف الكرامة في ممارسة العنف الجسدي واللفظي ضد كل من يرفع صوته بمعارضة حركة النهضة أو نقدها.

مفارقة أن يتصدى ائتلاف الكرامة لـ«تأديب» كل من يعارض النهضة، لم يُستثنَ من عنف الائتلاف أي تيار سياسي وأي شخصية سياسية، بما في ذلك رئيس الجمهورية قيس سعيّد، والرابط الوحيد بين كل الاعتداءات هو نجاة فاعليها من العقاب والمساءلة.

وعلى الرغم من حجم التنديد الذي أثاره الاعتداء إلا أن الحدث كان الشجرة التي تخفي الغابة، فعنف الأربعاء الماضي (30 يونيو 2021)، كان مسبوقاً بسعي محموم من النهضة لعرض مشروع اتفاقية بين تونس وصندوق قطر للتنمية، وهي اتفاقيّة اعتبرتها المعارضة «مشبوهة وتمسُّ السيادة الوطنية»، لكن النهضة أصرت على تمريرها رغم وجاهة الانتقادات.

حدث الأربعاء حصل أيضاً في سياق عقد هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي ندوة صحفية، كشفت أن تقرير التفقدية العامة بوزارة العدل فضح «التمكين الإخواني داخل أجهزة القضاء وتغليب الولاءات على الكفاءات في المناصب القضائية العليا».

التباين الظاهري بين كل هذه الأحداث، لا يحول دونَ استخراج خيط ناظم يصل بينها، ويقود إلى ثلاثة حقائق.

الحقيقة الأولى مفادها: أن خلافات حركة النهضة مع رئيس الجمهورية لم تحل دون تقدم الحركة في مسار سيطرتها على أهم مفاصل الدولة، وهو القضاء.

الحقيقة الثانية هي: وجود مأسسة للعنف داخل البرلمان من خلال تبريره والدفاع عنه وضمان إفلاته من العقاب.

أما الحقيقة الثالثة فهي: أن النهضة تستعمل المغالبة في تنفيذ برامجها الداخلية والخارجية، وتتكئ في مغالبتها على «قلب تونس» و«ائتلاف الكرامة»، ولعل في إطلاق سراح زعيم قلب تونس منذ أيام قليلة تعبيراً عن حاجة النهضة الملحة للقوة التصويتية للحزب.

الثابت، أن اعتداء يطالُ نائبة في البرلمان، وإخفاء القضاء لحجج دامغة ضد شخصيات وجماعات إرهابية، هي قرائن دالَّة على أن الدولة في تونس تعيش تحلَّلاً خطيراً، وأن التمكين الإخواني بلغ مستوى غير مسبوق، وفي ظل ذلك لا يستغرب أن تكون صفعة البرلمان مجرد وسيلة لحرف الأنظار عن مصيبة القضاء، والتركيز على صياغة عبارات التَّنْديد.
#بلا_حدود