الثلاثاء - 27 يوليو 2021
الثلاثاء - 27 يوليو 2021

جورجيا.. واحة سلام في عين الإعصار

مارك لافيرني
كبير زملاء البحث في الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، محلل أمني سياسي لقضايا الشرق الأوسط.
مرة أخرى، تعود بي ذكرياتي إلى جمهورية جورجيا، وكانت آخر زياراتي إليها عام 2008 عندما كنت في مهمة إنسانية بعد أسابيع قليلة من اجتياح الجيش الروسي لها، وكانت الحجّة التي قدمها الروس لتشريع هذا العمل هي تحرير إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية اللذين يتمتعان بالحكم الذاتي، وانتزاعهما من سطوة العاصمة الجورجية تبليسي، وكان هذا الترتيب الإداري من تَرِكات فترة حكم الاتحاد السوفييتي.

ومؤخراً، اغتنمت موسكو فرصة هذا الإجراء الإداري القديم لإفساد العلاقة الودّية القائمة بين جورجيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهذا يشبه ما حدث في إقليم ناغورني قره باغ المجاور الموروث من فترة التقسيمات الإدارية لحكم الاتحاد السوفييتي السابق، وكان التدخل الصارم للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كافياً لمنع القوات الروسية من احتلال العاصمة تبليسي عقب خمسة أيام من القتال العنيف.

واليوم، لا يزال الوضع في جورجيا خطيراً ومتوتّراً عقب اندلاع الصراع الذي وقع مؤخراً جنوبها بين أذربيجان وأرمينيا فضلاً عن الوضع المضطرب الذي يعم جمهورية الشيشان الواقعة شمالها، والأخطر من ذلك هو أن جورجيا محاطة جغرافياً بروسيا وتركيا وإيران، أي بالورثة المحبطين لثلاث إمبراطوريات بائدة هي السوفييتية والفارسية والعثمانية، والحالمين بالعودة إلى عهود القوة والأمجاد السابقة.

وبالرغم من حجمها الصغير كدولة، فإن جورجيا تُظهر الكثير من الثقة بالنفس، وتبدو شديدة التمسّك بحقها في الاستقلال والتطور، وتقف تبليسي شاهداً على هذا الالتزام، وهي تشهد تطوراً سريعاً لافتاً حيث تُزال فيها البيوت الخشبية العتيقة المطلّة على ضفاف الأنهار، وتستبدل بمبانٍ وأبراج عصرية حديثة.

وتبقى الهندسة المعمارية الرائعة لوسط المدينة شاهدة على أوابد الحقبة السوفييتية ربما لأن الديكتاتور السوفييتي جوزيف ستالين كان ابناً لجورجيا، وأصبحت دكاكين الشوارع المركزية لتبليسي تؤوي الآن الأسماء الشهيرة لكبريات الماركات العالمية الخاصة بمنتجات الرفاهية والأزياء، وبرزت فيها طبقة جديدة من الأثرياء، وبدأ السيّاح يتقاطرون إليها من كل حدب وصوب.

ويطغى على جورجيا جوّها الساحر المناسب لقضاء أوقات من الراحة والاستجمام، وتسود ربوعها وأريافها الحياة العفوية البسيطة والطبيعة الخلابة، ولن يواجه زائرها إزعاج أصحاب العروض والمهرجانات الصاخبة، بل سيتذوّق الطعم الحقيقي للعيش القائم على بساطة حياة الأرياف وفي ظل التقاليد والعادات الموروثة. ولا يأتي مستوى الازدهار الذي بلغته جورجيا من مواردها الطبيعية، بقدر ما يعتمد على الاستقرار الذي تتمتع به في هذه المنطقة المضطربة من سهول وجبال القوقاز.
#بلا_حدود