السبت - 25 سبتمبر 2021
السبت - 25 سبتمبر 2021

تسمم الآنية.. يفسد السوائل في ثانية

محمد أبوكريشة
مدير عام تحرير صحيفة الجمهورية المصرية ومستشار دار التحرير للطبع والنشر في مصر وكاتب صحافي في عدة صحف مصرية وعربية
كل النظريات والمناهج الاقتصادية والسياسية والدينية جيدة ومثالية وهي نصوص على ورق، لكنها عندما تنزل من سماء النص إلى أرض التطبيق تصاب بالخلل والمرض العضال، وتفقد مثاليتها مع اختلاطها بالأهواء والأغراض، ولا يمكن انتقاد النص أو الورق الذي يحتوي هذه المناهج والعقائد والقوانين والقرارات، لأنها تبقى رائعة جداً وفاضلة إلى أن تتلوث بالتطبيق.

ومن الشائع لدينا انتقاد السائل واتهامه بأنه مسمم، بينما لا نلتفت إلى أن الإناء الذي وضع فيه السائل مصنوع من مادة مسممة، والمناهج والنظريات والعقائد والقوانين والقرارات هي السوائل، بينما الإنسان هو الإناء المسمم الذي يتلقف تلك المناهج فيسممها بالتطبيق الهوائي.

ويقول الأديب والمفكر الروسي الكبير ليو تولستوي: «إن اختراع مئة نظرية أسهل مئة مرة من تطبيق نظرية واحدة»، والدليل أن نفس النظرية نجحت في دول وفشلت في دول أخرى، ما يؤكد أن هناك شعوباً عبارة عن آنية مسممة يدخلها السائل الصالح فيفسد ويتسمم، فلا عيب في الاشتراكية ولا في الشيوعية ولا في الرأسمالية ولا الديمقراطية ولا حتى الديكتاتورية، وإنما العيب في الآنية المسممة التي توضع فيها تلك السوائل، ولماذا نذهب بعيداً ونتحدث عن مناهج البشر، فهل يمكن اتهام منهج الله عز وجل وهو الدين بالقصور والخلل؟ بالطبع لا يمكن، ولكن حتى الدين تسمم في آنية البشر المسممة وتحول إلى طائفية ومذهبية وجماعات إرهابية وتيارات فسيفسائية لا ترى بالعين المجردة، يقول الله تعالى: «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» ـ (41 الروم)، وظهر الفساد أي انتشر وانتصر، وما كسبت أيدي الناس تعني التطبيق الفاسد لنظريات ونصوص صالحة ومثالية.

والهوى هو المادة الخام المسممة التي صنعت منها الأواني البشرية فاختلط السم بكل السوائل ففسدت وتسممت، وصرنا أمام مصطلحات ومناهج مثالية تحولت إلى كلام حق يراد به باطل كما قال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، عندما رفع الفريق الآخر المصاحف على أسنة الرماح مطالباً بتحكيم القرآن بين الفريقين، فالقرآن الكريم حق، لكن الهدف باطل، وهو نفس ما يردده الإخوان دوماً في قولهم: «الإسلام هو الحل»، فهو حق تراد به سلطة وحكم، ودنيا لا دين.

ومنذ الفتنة الكبرى إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً سنبقى وسنظل مع كلام الحق الذي يراد به باطل.
#بلا_حدود