الثلاثاء - 26 أكتوبر 2021
الثلاثاء - 26 أكتوبر 2021

الدين.. هوية الشعب أم الدولة

محمد زاهد غول
كاتب وباحث تركي، رئيس مركز شرقيات للبحوث بإسطنبول، ورئيس تحرير الإندبندنت التركية، له العديد من الكتب وعشرات الأبحاث والمقالات في الشأن التركي، كما ترجم عدداً من الكتب من التركية إلى العربية
مرّ قرن كامل دون أن تحسم إشكالية الدين والعلمانية والدولة في بعض دول الشرق الأوسط، بعد أن حُسمت في معظم الدولة المتقدمة، فهل ستبقى هذه الإشكالية سبباً في تخلف دول العالم الثالث عن العالم المتقدم، أم أنه يمكن إقامة الدولة العصرية، وإن كان الدين يشكل هوية غالبية سكانها، سواء كانت يهودية أو مسيحية أو مسلمة أو غيرها؟

هذه الإشكالية ليست حصراً على شعوب الدول التي غالبية سكانها من المسلمين، فمنذ سنوات والشعب الإسرائيلي يطالب باعتبار إسرائيل دولة يهودية، أي ذات هوية دينية خالصة لهم من دون الناس، ومؤسسات إسرائيل آخذة بازدياد العناصر المتدينة فيها، بما فيها الأجهزة الأمنية، بعد أن كانت ممنوعة عنهم منذ سبعة عقود، وأصبحت الأحزاب المتدينةـ بحسب التصنيف اليهوديـ هي أقوى الأحزاب التي تشكل البرلمان الإسرائيلي ومن ثم الحكومة الإسرائيلية، وأزمة تشكيل الحكومة الحالية شاهد على ذلك.

بعض الدول العربية التي تعاني من الاضطرابات الداخلية منذ عقد من الزمن تعاني من إشكالية وضع دستور لها، ويشغل دور الدين في دستور الدولة أزمة حقيقية، ولعل إشكالية وضع دستور لسوريا بعد 10 سنوات من الاحتجاجات الشعبية فيها صورة ماثلة على ضخامة هذه الأزمة، وإذا أصرت أمريكا على مشاركة المعارضة السورية في النظام السياسي المقبل، فإن هذه الأزمة ستُبقي سوريا في دوامة الصراع الداخلي والإقليمي والدولي لسنوات وعقود مقبلة.

إن روسيا تتدخل في صياغة الدستور السوري، وكذلك العديد من الدول الغربية، ومع اتفاق جميع الأطراف على أن الدولة السورية ستبقى دولة علمانية دستورياً، ولكن تحقيق هذه المسألة عملياً يحتاج إلى جهود أكبر، فإقرار دستور ديمقراطي علماني قد يتيح مخرجاً نظرياً لأزمات الدول المتعثرة، ولكن تحقيق ذلك على أرض الواقع يمثل تحدياً لشعوب تلك الدول.

إن الدولة هي الدستور، والدستور هو الدولة، وهوية الدولة من هوية دستورها، والدستور لا عدل فيه إذا لم يكن حقوقياً وقانونياً تجاه كافة المواطنين من دون إقصاء ولا تهميش لفئة أو أقلية اجتماعية أو دينية، وهذه هي العلمانية بالمعنى السياسي والديمقراطي، وبذلك تبقى حرية التدين حقاً إنسانياً ودستورياً معاً، وكذلك احترام تراث كل مكون ديني أو عرقي، فليس من وظيفة الدستور العلماني حرمان فئة من المواطنين من حقوقهم الدينية ولا غيرها، سواء حضر اسم الدين الرسمي في مواد الدستور أم لم يُذكر.


#بلا_حدود