السبت - 27 نوفمبر 2021
السبت - 27 نوفمبر 2021

حصاد زيارة محمد بن زايد إلى تركيا

د.عبدالخالق عبدالله
أستاذ العلوم السياسية

لم تستغرق زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد إلى تركيا، سوى ساعات معدودات، لكنها كافية لإزالة أطنان من سوء الفهم، وإنهاء 10 سنوات من القطيعة، والخصومة السياسية.

زيارة واحدة، وسريعة تمت وسط حفاوة بالغة، لكنها تؤسس مرحلة تاريخية جديدة في العلاقات بين البلدين، وأيضاً تؤسس لحظة سياسية جديدة في المنطقة قد تمتد لسنوات. أسست الزيارة دون شك للحظة جديدة في العلاقات الاقتصادية، والسياسية بين أبوظبي، وأنقرة. العلاقة الاقتصادية كانت مستقرة فازدادت استقراراً، ونمواً، والعلاقات السياسية «الهشة» أصبحت أكثر نضجاً وقوةً.

زيارة من الوزن الثقيل

الضلع الاقتصادي يعد الأهم، وهو أيضاً المستفيد الأكبر من هذه الزيارة، إذ سيتم تعزيزه باستثمارات مالية إماراتية جديدة، في الاقتصاد التركي قدرت بـ10 مليارات دولار، والنية تتجه لزيادتها، وزيادة حجم التبادل التجاري من 8 مليارات إلى 15 مليار دولار في المستقبل القريب.

ورغم أهمية الشراكة التجارية، التي يتوقع لها الوصول إلى مستويات جديدة، إلا أن زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد إلى تركيا لم تكن زيارة اقتصادية ولم تقتصر على الشق التجاري، والاستثماري بل كانت زيارة سياسية، ورمزية بامتياز، وينظر لها على أنها من «الوزن الثقيل». المؤكد أن الشق السياسي، والأمني، والاستراتيجي مقبل على مرحلة نوعية، ومختلفة، وجديدة. الزيارة تؤذن لنهاية عهد القطيعة، والخصومة، وسوء الفهم المتبادل الذي بلغ مستويات غير مسبوقة بين أنقرة وأبوظبي.

قد لا تكفي زيارة واحدة لإصلاح سوء فهم تراكم خلال عقد كامل، لكن كافة الدلائل تشير إلى تحقيق أكثر من 70% من التوافق، والتفاهم التركي- الإماراتي حول ملفات إقليمية خلافية، وصعبة. ما تبقى يتطلب المزيد من الحوارات السياسية المباشرة، التي ستتم على مستوى وزراء خارجية البلدين، وربما تأسيس مجلس أعلى يصل بالعلاقات السياسية إلى التطابق التام خلال المرحلة القادمة.

لحظة سياسية جديدة

وعلاوة على تأسيسها للحظة جديدة في العلاقات الثنائية، فإن حفاوة الاستقبال، والمصافحة، والابتسامة المتبادلة، بين أقوى زعيمين في المنطقة، قد تؤسس للحظة سياسية جديدة في المنطقة بأسرها. هذه الزيارة تمثل تتويجاً عملياً لمزاج إقليمي تصالحي، وتوافقي آخذ في التبلور، وسيزداد زخماً مستقبلاً.

الإمارات أكثر من غيرها، قادرة على قيادة هذا الزخم التوافقي في المنطقة، التي اكتوت، واكتفت من الصراعات، والمناكفات التي ميزت «مرحلة الربيع العربي». البلدوزر الإماراتي تحرك، وهو الذي يمهد الطريق لغيره لتبريد الخلافات المزمنة، وتصفير المشكلات الصعبة وحل الأزمات المستعصية.

يظل السؤال الذي يستحق أكثر من اجتهاد، ما سر التحول الكبير في العلاقة السياسية بين الإمارات وتركيا؟ ولماذا الآن؟ وهل يعد ذلك تراجعاً، أم مراجعة في مواقف البلدين؟ وهل هناك غالب ومغلوب بعد 10 سنوات من المواجهات في عدة جبهات؟

لا غالب ولا مغلوب

المؤكد أن الخصومة أنهكت الجميع، ودفعتهم للقيام بمراجعات كبرى، وتراجعات موجعة. تلك الصراعات في أكثر من ساحة، لم تحقق لأحد انتصاراً سياسياً ساحقاً ماحقاً وواضحاً. لا توجد ضربة قاضية لا ريب فيه. هناك انتصارات صغيرة لكن لا يوجد نصر مبين في أي جبهة. الحصيلة الأولية الواضحة لمواجهات عقد كامل أنه لا غالب ولا مغلوب. ربما سجلت الإمارات بعض النقاط لصالحها، كما سجلت تركيا نقاطاً أخرى في ميزانها. قد تبدو النقاط لصالح الإمارات أكثر وضوحاً لكن بفارق طفيف لا يستحق الاستمرار في مواجهة مع قوة إقليمية بحجم تركيا.

من المشروع أن تدعي أنقره أنها سجلت نقاطاً أكثر، وأنها خرجت بنصر سياسي ونصر عسكري هناك. هذه الانتصارات الطفيفة كافية للاعتراف بضرورة التراجع واحترام الخصم، وإعادة النظر في مجمل مواقف، السنوات العشر الماضية.

حساب النقاط المتناثرة

إذا المراجعة والتراجع أسسا للقاء بين الزعيمين، والتوافق بين البلدين، والدفع نحو لحظة سياسية جديدة في تاريخ المنطقة.سيظل أمر من حقق نقاطاً أكثر متروكاً للتاريخ، وللمؤرخين والمنشغلين بحساب النقاط المتناثرة على رقعة شطرنج الشرق الأوسط الملأ، بالإخفاقات أكثر من الانتصارات.ما يتضح من الرصد السريع لقطع الشطرنج أن الملكين في حصن حصين.

ثقة الإمارات بقدراتها، وإمكاناتها، وسياساتها، وقوتها الخشنة، والناعمة، وبروزها كقوة إقليمية برؤية عالمية، هي التي دفعتها لزيارة أنقرة. في المقابل الصعوبات المالية الخانقة التي تعيشها تركيا بما في ذلك انهيار سعر عملتها، وتراكم ديونها الخارجية التي بلغت 450 مليار دولار، إضافة إلى التراجع الكبير في شعبية الحزب الحاكم، كلها أمور دفعتها لاستقبال الزائر الكبير بأحسن استقبال.

وفي نهاية المطاف ومهما كان سر التحول الكبير والمفاجئ في العلاقة السياسية بين الإمارات وتركيا فإن التوافق التركي الإماراتي الذي جاء سريعاً ولم يكن متوقعاً، يعكس مرونة الدبلوماسية في البلدين بالتعامل مع المستجدات الإقليمية والدولية وتوظيفها لخدمة مصالحهما الوطنية.فلا صوت يعلو على صوت المصلحة الوطنية في العلاقات الدولية والحسابات السياسية.