السبت - 18 يناير 2020
السبت - 18 يناير 2020

شعبية مسرح الشارع

د. عائشة الدرمكي
أكاديمية من سلطنة عمان، متخصصة في سيميائيات اللغة، لها مجموعة من المؤلفات في التراث وسيميائيات النص، تنشر مقالات في مجلات ثقافية عربية متعددة.
يخبرنا وليام هاندريك في كتابه (علم اللغة السيميائي والأدب المروي) عن تلك العلاقة التي تجمع بين الأدب الشعبي والظواهر التعبيرية الأخرى من ناحية تأسيس العلاقات المحتملة في الإنجاز، فهو يميز من حيث الجوهر بين الأدب الشعبي والثقافة الشعبية، اعتماداً على طرائق الانتشار، والذي يسميه (الإنجاز)، يقول: (إن الأدب الشعبي يمكن أن يتواجد في التقابل وجهاً لوجه، الذي يؤدي إلى الانتقال الشفوي المحض...).

إن (الإنجاز) الذي في الأدب الشعبي بوصفه مرتبطاً بالانتشار، يتعلق بالقيمة الإيجابية التي يتواضع عليها المجتمع ضمنياً من خلال إعادتها وتكرارها من ناحية، والالتفاف حولها ودعمها من ناحية ثانية، الأمر الذي يجعلنا ننظر إلى المسرح الشعبي بوصفه واحداً من أنواع الأدب التي يؤسسها الشعب من خلال ابتداع مجموعة من الفنون ذات الطابع الرمزي، والابتكار الفني.

فالمسرح الشعبي والذي يُطلق عليه اليوم (مسرح الشارع) ابتدعه الأدب الشعبي، وقدمه من خلال مجموعة من الرمزيات الدالة، التي تُقدم من خلال أدوار تنتظم في وظائف مترابطة لها شفراتها التي تهدف إلى تقديمها ضمن تلك المعتقدات والأفكار التي يؤمن بها المجتمع في ثقافته الشعبية، التي تعبر عن هوياته الاجتماعية.


والمسرح الشعبي في منطقة الخليج العربي يُعد من أهم الآداب التي يقدمها المبدعون كل في مجاله، تعبيراً عن رمزيات اجتماعية وفكرية، ومن ذلك ما يُقدَّم في سلطنة عُمان من فنون مسرحية شعبية كثيرة منها: فن (الباكت) في محافظة الباطنة.

إن هذا الفن يرمز لتلك العلاقة التي تربط الإنسان بالطبيعة من حوله (المرئية أو غير المرئية)، وللعلاقات الإنسانية في تجانسها وصراعها، ففن الباكت له نوعان (باكت العرائس، وباكت التمثيل)، وفي الأول يلتف المتسامرون في حلقة دائرية يقودها (العقيد) يحملون الطبول (الكاسر والرحماني) والدف، وفي الوسط يتمدد شخص قد لُف في رداء أسود يحمل بين ذراعيه العرائس (رجلاً وامرأة) ويُجري بينهما حوارات هزلية في قضايا اجتماعية أو سياسية.

أما النوع الثاني، فهو أن يتقمص عدد من الرجال أشكالاً عدة من الحيوانات (النمور والغربان) أو الأشجار، ويؤدون مجموعة من الأدوار والحوارات الهزلية مع بعض الشخصيات المؤدية الأخرى، التي قد تؤدي دور الرجل الأحدب أو المرأة أو غير ذلك، والجمهور حولهم يلتفون استمتاعاً وضحكاً.

هكذا يقدم المسرح الشعبي مجموعة من الأدوار الرمزية والفنية، التي أسست منذ القدم لمسرح الشارع وجعلته واحداً من الفنون الأدبية التي تلامس المجتمع، وتعرض قضاياه الاجتماعية المختلفة.
#بلا_حدود