السبت - 18 يناير 2020
السبت - 18 يناير 2020

الموسيقى.. لغة إنسانية واحدة

مالك العثامنة
إعلامي أردني مقيم في بلجيكا، متخصص في شؤون الشرق الأوسط والدراسات التحليلية والرصد الإعلامي. له مقالات في عدة صحف عربية، محلل سياسي على قنوات تلفزيونية ناطقة بالعربية
يوجعني كمشرقي قادم من بلاد قدمت للعالم أوراق اعتماد الإيمان بمختلف صياغاته الدينية، كما قدمت للعالم فنون الموسيقى بأبهى اكتمالها الشرقي، أن أجد فرقاً موسيقية عربية أو فنانين عرباً يتم الاحتفاء بهم بكل فرح في كل أنحاء الكوكب، بينما هم في عالمنا العربي أسرى صناعة ترفيه تلفزيوني لا أكثر، فلا يجدون مسارح ولا منصات مفتوحة لتقديم كل هذا الفرح.

وأذكر جيداً مثلاً، أن فنانة ملتزمة ومثقفة مثل مكادي نحاس، ألهبت مسارح بروكسل وأمستردام والشارقة (نعم الشارقة)، بتقديمها تراث الشام والعراق وبحفلات مشتركة مع فرق ومغنين أوروبيين، لكنها لم تستطع اختراق حملات العلاقات العامة في كارتيل صناعة الترفيه العربي الخاضع لتدمير الذوق الفني برمته، ومثل مكادي نحاس كثيرون.

لقد أُنفقت ملايين من الأموال وسُفح كثير من غالونات الحبر في مشاريع حوار الحضارات والأديان، وحتى اليوم لا نجد نتيجة حقيقية ملموسة في هذه الحوارات يمكن التعويل عليها بقدر ما نجدها في مشاريع الموسيقى التي توحد اللغات وتعيد الإنسان فينا إلى الواجهة بكل إنسانيته.


كنت أحدث الأصدقاء دوماً عن طرفة صادفتها في الأردن حين كنت مع سائق تاكسي متدين تعاقدت معه لفترة لقضاء مشاويري، وكان يوقف سيارته وأنا فيها ليقيم الصلاة في المسجد ويعتز بلحيته التي أطلقها هدياً بالسنة، لكنه لم يتوقف أبداً عن الاستماع للسيدة فيروز طالما كانت سيارته على الطريق، والأطرف أنه كان يحب الاستماع بشغف لأغنية السيدة (لا تهملني لا تنساني يا شمس المساكين)، وحين أخبرته مرة أن الأغنية ترنيمة مسيحية تخاطب فيها السيدة بروحانية صوفية مذهلة السيد المسيح، نظر إلي ومسح لحيته وقال: لقد جعلتني أحب الأغنية أكثر يا أستاذ.

لا أعرف شيئاً عن السائق المذكور الآن، وكل ما أتمناه ألّا يكون القهر وبؤس العيش قد تملكا روحه فانصاع لحديث منابر العتمة، واستبدل موسيقى السيدة بخطابات الجهل والإقصاء والدم، لكن يظل رهاني على أن الروح التي تأسست على حب الموسيقى فيها بذرة حياة عصية على الموت.

لقد عبّر سيد المسرح الإنكليزي وليام شكسبير عن عظمة تأثير الموسيقى في رائعته التاريخية الخالدة «يوليوس قيصر» وتحديداً في حوارية بين قيصر وربيبه أنطونيوس يستعرضان فيها أسماء من يمكن أن يتورطوا في اغتيال القيصر، فتوقفا عند اسم كاسيوس، الذي بنى المؤامرة فيما بعد، وسبب الاشتباه بكاسيوس حينها كان بسيطاً وعميقاً، كان كاسيوس مشروع متآمر وقاتل، لأنه ببساطة لا يحب الموسيقى!!
#بلا_حدود