السبت - 18 يناير 2020
السبت - 18 يناير 2020

ناكامورا.. الرؤية والمشروع والضحية

ساتوشي إيكوتشي
أستاذ في جامعة طوكيو، مفكر وأستاذ قسم الأديان والأمن العالمي في مركز أبحاث العلوم والتكنولوجيا المتقدمة (RCAST) ـ جامعة طوكيو. يشمل تخصصه السياسات الإسلامية والسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط والعلاقات الدولية بين آسيا والشرق الأوسط.
لقي الطبيب الياباني البارز والعامل النشيط في المساعدات الإنسانية الدكتور«تيتسو ناكامورا» حتفه في منطقة جلال آباد التابعة لإقليم «ننكرهار» شرق أفغانستان في الخامس من ديسمبر الجاري، حيث تم استهدافه بعدة طلقات نارية من بندقية، عندما تعرض مع 5 من زملائه الأفغان لهجوم على العربة التي كانت تقلهم من طرف جماعة مسلحة مجهولة.

ناكامورا يترأس منظمة غير حكومية تدعى «الخدمة السلمية الطبية اليابانية»، وضحى بحياته أثناء تقديم الدعم الطبي والخبرات التي يتمتع بها في الشؤون الزراعية لشعب أفغانستان، وكان قد وصل إلى مدينة بيشاور في باكستان قبل 35 عاماً ليقوم بعمله التطوعي في أقسام المساعدة الطبية في أفغانستان وباكستان، ثم ما لبث أن ركز نشاطه على تطوير القطاع الزراعي في المناطق الحدودية الواقعة بين البلدين.

وخلال العقدين الماضيين، كرس جهوده كلها لحفر آبار المياه الجوفية ليفتتح بذلك قنوات ري جديدة أدت إلى نمو المحاصيل الزراعية، وتوسيع الأراضي الخضراء في المنطقة.


وفي أفغانستان، التي دمرتها الحرب والجفاف والتطرف الديني، كان نشاط الدكتور ناكامورا أشبه بقطرة الماء التي أنعشت الأرض العطشى، ونظير أعماله وجهوده في تقديم المساعدات الإنسانية، منحته السلطات الأفغانية حقوق المواطنة الشرفية في شهر أكتوبر الماضي.

وانتشر هاشتاغ مقتل «ناكامورا» في فضاء موقع تويتر، وتضمن عبارات الحزن العميق من الشعب الأفغاني لموته، ورددت بعض الرسائل عبارات الاعتذار لعدم التمكن من حمايته على النحو الكافي، وأصدرت حركة طالبان بياناً أنكرت فيه ضلوعها بهذه الجريمة.

ويعتبر الدكتور ناكامورا مثالاً رائعاً على الميل الياباني للسلم بعد الحرب العالمية الثانية، وكان يتميز بجنوحه المتطرف لفعل الخير من خلال تقديمه للمساعدات الإنسانية غير العسكرية، حيث استطاع، واشتهر بانتقاده للتدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان، وعارض كل المساعدة اليابانية التي كانت تقدم في هذا الإطار.

وكان هدفه الأساسي هو أن يرمي بنفسه وهو أعزل في وسط المنطقة التي تحتلها حركة طالبان، وكان بعض عناصر الدولة الإسلامية يتجولون في تلك المنطقة بين الحين والآخر في الفترة الأخيرة.

واختلط ناكامورا بالناس العاديين في المجتمع الأفغاني، ولهذا السبب كانت الحراسة المفروضة عليه ضعيفة وغير كافية وأدت إلى اغتياله.

وإذا قرر المرء أن يضع نفسه في موقف خطير جداً، وأن يبقى منفتحاً على كل إنسان مهما كانت مشاربه ويسمح للغرباء بحمايته، فهو يتبع بذلك الأسلوب الياباني في الحفاظ على السلم والأمن.

وهناك جدل لا يتوقف يدور بين اليابانيين حول الدستور السلمي، الذي يعود لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتروج بينهم انتقادات حول الطبيعة غير الواقعية والعامرة بالمثالية التي ينص عليها ذلك الدستور، والتي تتعلق بنزع السلاح، بالرغم من أن الدولة كانت تتخلى عن هذا التقليد الأسمى.. وربما يكون ناكامورا آخر الساموراي الشجعان الميالين بطبيعتهم للسلم، وسوف تبقى روحه حية في قلب الأمة اليابانية كلها.
#بلا_حدود