الجمعة - 24 يناير 2020
الجمعة - 24 يناير 2020

الوسطية برؤية متطرفة

إذا كان من خصائص الوسطية التوسط بين طرفين، فإنه ليس لازماً أن يكون كل توسط دليلاً على الوسطية كما تبين لي عندما قرأت مجالاتها وتجلياتها عند السلفية المتشدِّدة والتيارات الحركية والمتطرفة الجهادية، من خلال استقراء معناها في المنهج الفكري والخط الدعوي والسياسي.

يعتقد المتطرفون أنهم أمة وسطى، بل يستثمرون هذه الرؤية الخيرة لمآربهم، لا سيما أن الاعتدال بات اليوم منهجاً يدعيه الجميع، ويردد على كل المنابر، وتتنازع عليها كل الطوائف، فقد تختلف دلالاتها في كل المشارب لتصبح كلمة حق يُراد بها باطل، ولكن أدعياء الوسطية لا يمتلكون إرادة التغيير الصحيح، ويجلبون الفساد في البر والبحر!

كما أن هؤلاء يستغلون القيم الدينية لتكون قناعاً يستر الطموحات السياسية والأجندات الخاصة، ما جعلني أتساءل: متى أستطيع أن أسمي الأشياء بمسمياتها الصحيحة؟ والتي تتفق مع معاني الوسطية الحقة كما يراد لها أن تكون.

إن الوسطية برؤية وثقافة متطرفة نوع من التدين المعارض لقواعد الشريعة في التسهيل في الأمور، وعدم التضييق على الناس بإقصاء النصوص والأقوال المتسامحة، وفكر التحريم، ومنهج التعصب وعدم إنصاف المخالف في الفكر، وإقصاء مفهوم الاختلاف، وعدم ملاحقة تجربة الإنسان المعاصر نحو البناء والتنمية والتطور، وكلها مجالات تخنق الرؤية والإدراك، فتضيق التصورات والقدرات ويتزيف الوعي.

وإن ما يستدعي تحديد مسميات الأشياء للأجيال.. كون هذا الفكر وسطي ومتسق مع روح العصر، أو ذاك الفهم فيه غلو وتطرف، أو تلك المعاملة لا ترتقي إلى سماحة الدين، وإن التعريف يستنهض العزم، ويقاوم أشكال التخلف والجمود، فهو إحدى مهام العلماء المجتهدين والأئمة المجددين، والمتمثلة في إلغاء تأويل الجاهلين وغلو المبطلين.

#بلا_حدود