الاحد - 20 يونيو 2021
الاحد - 20 يونيو 2021

كيف بدأ ماركيز الكتابة؟

خلود الفلاح
كاتبة صحافية وشاعرة، محررة في عدة صحف ومجلات ليبية وعربية، تُرجمت نصوصها إلى الفرنسية والألمانية، اختيرت من بين 100 شاعرة في العالم العربي
في كتاب «ما جئتُ لإلقاء خطبة»، ترجمة أحمد عبداللطيف، يقدم الكاتب الكولومبي جابرييل خوسيه دي ماركيز مجموعة من الخُطَب، التي قدمها أمام جمهور مختلف في مناسبات عدة، وفي دول مختلفة من العالم تعكس وجهة نظره تجاه الأشخاص والمواقف.. الخطب هي رؤى ماركيز الإنسانية عبر مشوار حياته ككاتب عاش لحظات صعبة كالفقر وتعرضه للطرد من بيته عدة مرات، لأنه عجز عن دفع الإيجار، ومرات أخرى باع مدخرات زوجته لتأمين الطعام لأطفاله.. الكتاب متعة في عالم كاتب كبير.

بعد سنوات من العمل الكتابي وتحديداً عام 1982، نال ماركيز جائزة نوبل في مجال الأدب عن روايته الشهيرة «مئة عام من العزلة»، ووجد نفسه أمام الضرورة الملحة لكتابة أهم خطبة في حياة أي كاتب.

في هذه الخطبة يعترف ماركيز بأنه لا يستطيع التحدث واقفاً، متحدثاً لمئات الأشخاص الذين جاؤوا ليستمعوا إليه، واعترف لهم بأنه عمل كل ما في وسعه ليتجنب الحضور.. لقد حاول أن يمرض أو تناول ما قد يسبب له التهاباً رئوياً بحسب قوله، وأيضاً ذهب للحلاق وكله أمل أن يذبحه، أما أجمل ما خطر على باله فهو أن يأتي لإلقاء خطبته بدون بدلة رسمية، وبالتالي يمنع من الدخول، ولكنه تذكر أنه في فنزويلا، حيث يمكن الدخول إلى أي مكان بالملابس العادية.


على أية حال لم يستطع التهرب من ورطة إلقاء خطبته التي لم يعرف من أين تكون بدايتها، وفي نهاية الأمر قرر أنها ستنطلق من السؤال: كيف بدأت الكتابة؟ وكان لا بد أن يتحدث عن «مئة عام من العزلة»، معترفاً خلالها بأن حياته ككاتب لم تتغير منذ بدأ الكتابة، حيث لم يرَ شيئاً مختلفاً سوى إصبعي الإبهام يضربان مرة وراء الأخرى وبإيقاع مضبوط حروف الأبجدية الـ28 الثابتة، وهو هنا لإلقاء خطبة والاحتفاء بالكتابة والقارئ، الذي وصفه ماركيز عديد المرات بأن مجموع قراء الرواية يشكلون جالية كبيرة لو عاشت في قطعة الأرض نفسها فستكون بلداً من أكثر بلدان العالم عماراً.

كان ماركيز يؤمن دائماً بأن الكُتّاب ليسوا موجودين في العالم من أجل أن يتوجوا.. التتويج هو البداية للتحنيط، هم في النهاية أصبحوا كُتاباً لا لأنهم أرادوا ذلك بمحض إرادتهم، بل لأنه ابتلتهم مصيبة العجز عن أن يكونوا شيئاً آخر.
#بلا_حدود