السبت - 21 مايو 2022
السبت - 21 مايو 2022

مَجَامع اللغة العربية.. جهود مُشَتَّتَة

بعد غَدٍ (18 ديسمبر) هو اليوم العالمي للغة العربية لإبراز مكانتها في التاريخ الإنساني، أمَّا بالنسبة إلى العرب، فإنَّ العربية الفصحى هي الشيءُ الوحيد الذي يَجْمَعهم اليوم.. سياسياتُهم مختلفة.. أسواقُهم مُتفرِّقة، وكذلك عُملاتُهم واقتصاداتُهم ومناهجُ تعليمهم.. كُلُّ شيء مُختلِفٌ!، لا شيءَ يوحِّدهم إلا استخدامُ الفُصحى في المجالات المكتوبة والتعليم والإعلام.

لكن رغم وحدتهم اللغوية هذه، فإنَّ سياساتِهم اللغوية أشَدُّ تَشَتُّتًا واختلافًا من سياساتهم الخارجية وأسواقهم، فانظُرْ إلى مجال فَنِّي بحت يُفْتَرَضُ ألا يَتَفَرَّقُوا فيه، وهو مَجَامِعُ اللغة العربية، فسترى لكُل دولة عربية مَجْمَعها، بدءًا بالمجمع العلمي العربي بدمشق، ومجمع اللغة العربية بالقاهرة، ووُصولا إلى مجمع اللغة العربية بالشارقة في الإمارات العربية المتحدة، ومجلس اللسان العربي بموريتانيا، كلُّ دولة تُنشِئُ مَجْمَعَها، وكأنَّ هذه المجامع – مثل العُملات والسياسات الخارجية والداخلية – جُزْءٌ من السيادة الوطنية لا يُمْكِن التنازُلُ عنه.

لا يُنكِرُ أحدٌ أهَمِّيةَ هذه المجامع، فقد حَقَّقت مُتفرقةً إنجازات عظيمة، فَمِن ابتكارِ مصطلحات جديدة أو نَحْتِها أو اشتقاقِها إلى تعريب أخرى أو غير ذلك من أدوات التطوير اللغوي، كانَ لهذه المجامع ريادةٌ لا تُنكَر وفضلٌ لا يُجْحَد، ولعلَّ أهَمَّ إنجاز في هذا السِّيَاق هو مشروع «المعجم التاريخي للعربية» – الذي انتظرناه طويلا – والذي انطلق برعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة رئيس مجمع اللغة العربية فيها.


آخِرُ هذه المجامع نَشْأةً – وهو مجلس اللسان العربي بموريتانيا – حَقَّقَ إنجازًا عظيمًا بتعريب اسم نطاقه على الشبكة العالمية، ونظَّم في سبتمبر الماضي بالتعاون مع مجمع اللغة العربية بالشارقة «مؤتمر اللغة العربية في إفريقيا» لتسليط الضوء على دور العربية في هذه القارَّة ودور القارَّة في نشر العربية.


نعم تلك إنجازات عظيمة للمجامع العربية، لكنَّنا مع ذلك لا نَجِد مُسوِّغًا لِتَشْتِيتِ الجهود في مسائل ووسائل فَنِّيَّة لا يمكن أن تكون مَحَلَّ خِلاف، فما ذَا يَضِيرُنا لو أنَّنا أنشأنا مَجْمَعًا واحدًا بمَكَّةَ المكرمة؟؛ لأنَّ هذه المدينة المقدسة (مع مناطق الحجاز الأخرى ونجد) هي منشأ الفُصحى.

إنَّ المجامع المتعدِّدة تُشتِّت الجهود ولن تستطيع تحقيقَ أهدافها على الوجه الأكمل، لذلك فالأولى أن يُنشَأ مَجْمَعٌ قومي للعربية بمكة المكرمة، ليكون هيئةً علمية لخدمة لغتنا والنهوض بها.