الخميس - 19 مايو 2022
الخميس - 19 مايو 2022

إنهم يحقدون على الثقافة

أتساءل أحياناً ببراءة طفل وعناده: لماذا كل هذا الكره للثقافة والمثقفين في الجزائر؟.. هل هي مسألة تاريخية جاءت من بعيد عندما اعتبر المثقفون متواطئين مع المستعمر، كثيرون يعرفون جيداً قضية لابولويت La bleuïte التي ذهب ضحية لها المئات من هؤلاء، أم لأن المثقف هو الصوت الخفي الذي يزعج النظام، ويفضح الظلم والتجاوزات؟

وهذا الإهمال للمثقف حتى لا أقول العداوة، تجسد في تغييب الجوائز التكريمية الكبيرة كما في كل بلدان العالم، نقلد فرنسا في كل الشكليات ولا نقلدها ثقافياً: جائزة غونكور لأفضل رواية، جائزة رونودو، جائزة فيمينا، جائزة الأكاديمية الفرنسية، جائزة ميديسيس، وغيرها.

لا نكاد نعثر في الجزائر على جائزة واحدة كبيرة، مثلاً جائزة الدولة للآداب والفنون؟، جائزة الرواية؟، جائزة الإبداع؟، جائزة كتاب السَّنة؟، وغيرها.


إن هذا يعرّي الوجه الرسمي البشع المعادي للثقافة والمثقفين، فقد مر كثير من المثقفين على مختلف الوزارات، لكنهم لم يفعلوا شيئاً يستحق الذكر، يدخلون متحمسين ويغادرون المنصب صاغرين في انتظار فرصة أخرى، يعكس هذا في النهاية، عقلية ريعية عامة تضع الثقافة آخر الاهتمامات، حتى الميزانية في وزارة الثقافة، لا تتخطى (صفر فاصل) من مجموع الموازنة، فهي في مؤخرة الترتيب.. يكفي أن نسمع أو نقرأ ما دار في المحاكمات الأخيرة للعصابة، لنعرف درجة العبث بالمال العام، حيث تم تخفيض ميزانيات التسيير لمختلف المؤسسات الثقافية، ومنها المسرح، إلى أكثر من النصف، مما يعني أن الكتلة النقدية الممنوحة من الوزارة تذهب مباشرة نحو الرواتب ولا شيء للإنتاج المسرحي.


ومن هنا تطفو رداءة العروض التي تنجز بمال قليل بينما توقف الإنتاج السينمائي كلياً، مع أن السينما تشكل رهاناً ثقافياً وحضارياً كبيراً في عالمنا المعاصر، فلا توجد صناعة سينمائية بل حتى نية ذلك.. حتى المعرض الذي كان يستضيف مثقفين من طراز عال أصبح يكتفي بالمتوافر من المثقفين، النشاطات فقيرة، نقص عدد الدُّور المشاركة كثيراً.

هذه المرة كان الرهان فقط على المحافظة على وجود المعرض فقط، حتى لا يندثر، حتى جائزة آسيا جبار اليتيمة الفقيرة أصلاً مادياً نزع منها هذه السنة 300 ألف دينار لتصبح 700 ألف دينار، أي ما يقابل تقريباً 5000 دولار.

وفوق هذا سُيست الجائزة بشكل بائس لا يجسد إرادة آسيا جبار المنتفضة ضد النظام، إنه شيء مضحك في بلاد تتصرف كما لو أنها كانت بلداً فقيراً وهي ليست كذلك طبعاً، فهناك عداوة حقيقية للثقافة لأنها تمنح الأمل وتفضح المستور، وكل المساحات الثقافية ضيقت قبل أن يتم الإجهاز عليها، وكما في كل البلدان، يتنافس الميسورون على تزكية أو تبني جائزة من الجوائز، لا أحد منهم، وما أكثرهم في الجزائر، حرك أصبعه الصغير من أجل هذا، منذ الاستقلال إلى اليوم.