الأربعاء - 18 مايو 2022
الأربعاء - 18 مايو 2022

يا «حارس البوابة».. متى ستنزل من برجك العاجي؟

تابعتُ الجدل الحاصل، أو بالأصح حالة عدم الرضا تجاه إعلامنا المحلي على وسائل التواصل الاجتماعي، الذي ترى فئة من الجمهور أنه بات سلبياً منكفئاً على قشرة الاعتياد والتربيت على الأكتاف بأن كل شيء مثالي وعلى ما يرام، في حين يمكن بضغطة زر، اكتشاف الوضع «الحقيقي» تجاه القضايا الراهنة على وسائل التواصل الاجتماعي، التي قلّصت صلاحيات «حارس البوابة» حتى بات وجودها شكلياً، وصار ممكناً لمواطن بسيط غير متخصص في الإعلام أن يكون صاحب رسالة يستخدم منصة إلكترونية ليعبّر عن رأيه ضمن مساحة حرية - يُفترض أن تكون - أعلى من تلك الممنوحة في قنوات الإعلام الجماهيري، ما حدا بالبعض إلى اعتبار منصات التواصل الاجتماعي أرضاً خصبة للديماغوجية تطلق الشائعات وتنشر الفوضى.

و«حارس البوابة» مصطلح معروف في نظريات الاتصال والعلوم السياسية، ابتدعه عالم النفس كيرت ليوين عام 1943، ويُطلق على القائم بالاتصال أو الوسيط الذي يملك سلطة التحكّم بالمادة الإعلامية، وتؤثر على عملية اختياره أو ربما تنقيحه وتعديله للمادة اعتبارات ذاتية ومجتمعية ومهنية، مما يفرض تأطيراً معيناً على محتوى المادة قبل وصولها للمتلقّي.

وبرأيي أن جوع الجمهور لأطروحات قوية تتصدّى للأحداث والمتغيرات المستمرة حولنا وتعبّر عما يعتمل في صدره جعله يتّجه إلى المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، المشتعلة والمثيرة في كثير من الأحيان، الأمر الذي كشف الفجوة بين المنصتين الرسمية وغير الرسمية. والمطالبة بمحتوى إعلامي محترف يدعم الغايات المشتركة هو أمر بديهي ومشروع، ولا يعني ذلك الاستهلاك الدائم لكل طارئ على السطح، بقدر ما نأمل اقتطاع ساعاتٍ لبث رسائل مُبدعة ومبتكرة تكشف طاقات فكرية وتحليلية ونقدية للقضايا الشائكة والاستعداد لها حتى قبل حدوثها. فمتى سينزل «حارس البوابة» من برجه العاجي ويقبل بتحمّل هذه المسؤولية؟


وبالحديث عن «ثقافة النقد» و«إدارة التغيير»، الذي أدى تقهقرهما في كثير من القطاعات إلى توغّل مسارات نمطية رتيبة، بسبب هيمنة ثقافة «العلاقات العامة»، وبسط نفوذها على فكر وتوجّه المسؤولين، أرى من الواجب إعادة التذكير بأهمية إعداد الجيل القادم ليحمل رؤية نقدية تحليلية واعية ومهارات تواصل عالية قبل انطلاقهم إلى أسواق العمل، الكلام الإنشائي والعبارات المضلّلة لم تعد تواكب التطلّعات، وسقف الحرية متاح.. لمن أراد الوصول إليه.