الخميس - 02 أبريل 2020
الخميس - 02 أبريل 2020

مرض الريادة في الأدب العربي

د. واسيني الاعرج
أكاديمي وروائي مقيم بفرنسا، عمل في جامعة الجزائر المركزية، قبل أن يلتحق في 1994 بجامعة السوربون في باريس. يسهم بتحليلاته الثقافية والسياسية في صحف عربية كثيرة، حصل على جوائز مرموقة منها جائزة الشيخ زايد للآداب.
مقتل البحث في الريادة، أو الريادات في العالم العربي، هو تثبيت تاريخ الأدب في نقطة مرجعية محددة والتوقف عندها، ذلك لأن العمل على الريادة يحتاج حتماً إلى إعادة النظر في الثوابت المخطئة.. المعضلة الكبيرة هي أنها، لتثبيت الجديد، يجب أن يتفق الدرس الأكاديمي عليه، ويدرج المكتشفات في أبحاثه والدفاع عنها بعقل وتبصر، حتى يتم تقويم النقائص.

وعلى الرغم من الاكتشافات الأدبية الجديدة السابقة لما افترض أنه ريادة في السنوات الماضية لا يزال الدرس الأكاديمي في الجامعات والمخابر الأدبية محكوماً بالانغلاق في تاريخ الأدب، وكأن ما عثر عليه السلف هو النهائي، وكأنه أيضاً لا قيمة للزمن، وهذا يفضي بنا إلى أزمة حقيقية تحلّ محل السجاليّة العلمية، والمناظرات الثقافية العالية.. سلسلة من التهم الاختزالية، التي لا تخدم الأدب مطلقاً.

السؤال الكبير في موضوع الريادة في الرواية أو القصة أو المسرح، هو: هل يتعلق الأمر بتوطين جنس معين؟، وفي هذه الحالة يكون جهد المبدع الريادي كبيراً واستثنائيا لأنه جاء بجنس أدبي من مكان مختلف، وزرعه في رحم التربة الثقافية العربية، حتى أصبح حقيقة ملموسة.. يمكن أن نعيد ترتيب السؤال بشكل مستقيم وجيد: هل تتعلق الريادة بكتابة أول نص ريادي، أم بأول نص وطّن الجنس وسمح للظاهرة الأدبية الجديدة بالانتشار؟، وهذا يحتاج بالضرورة إلى تجاوز الوطنيات المريضة وضيق الأفق.


أعتقد أن تاريخنا الثقافي يعج بثوابت غير دقيقة، تحتاج اليوم إلى إعادة قراءة جادة وحقيقية، حيث لا يزال الدرس النقدي العربي يلح على تثبيت تاريخ الأجناس فيما افترضه حقيقة مطلقة قبل عشرات السنين، وبقي في قناعاته وكأنه غير معني بالمكتشفات الأدبية على المساحة العربية.. لا نزال إلى اليوم مثبتين في المعتقدات الأدبية التي ورثناها من الأجيال السابقة دون أن ندرج المستجدات.. ثوابت عقيمة لا تفضي إلا إلى المزيد من تثبيت المعرفة وتجميدها، وإفراغها من ديناميتها.

ففي المجال الروائي مثلاً، لا يزال ما افترضه الأستاذ الفاضل عبد المحسن طه بدر، على أساس أن رواية «زينب لـ «لمحمد حسين هيكل» هي أول رواية عربية، بينما أثبتت الأبحاث الأكاديمية الجادة في مصر، وخارجها، أن رواية «حسن العواقب» لـ«زينب فواز» (1846-1914) هي أول رواية عربية، فقد صدرت في 1899، أي قبل رواية زينب لحسين هيكل، بـ15 سنة، وهو ما أكدته الناقدة السورية الدكتورة بثينة شعبان قبل 17 سنة، في كتابها «مئة عام من الرواية النسائية العربية» (دار الآداب 1999).

وعلى الرغم من الاتفاق النقدي عموماً، لم تثبت هذه الحقيقة العلمية لا في الكتب المدرسية ولا في الأبحاث الأدبية المختصة والأكاديمية، ولا يزال المتعارف عليه هو المهيمن، حتى ولو كان غير صحيح.. إذاً المشكلة ليست في الريادة ولكن في العقل الذي يتخفى وراءها.
#بلا_حدود