الخميس - 02 أبريل 2020
الخميس - 02 أبريل 2020

مسعفات الثورة

شهد الراوي
روائية من العراق من مواليد 1986، صدرت لها رواية «ساعة بغداد» وترجمت إلى لغات أجنبية عدة، ووصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، وحصلت على جائزة «مهرجان أدنبرة للرواية الأولى» 2018 تُحضر للدكتوراه في الأنثربولوجيا الإدارية، وشاركت في عدد من المهرجانات الأدبية العالمية والإقليمية.
في الأسبوع الماضي، وهو الأسبوع الأخير من الشهر الرابع لثورة الشباب في العراق، استشهدت إحدى المسعفات البطلات في محافظة البصرة. وأصيبت زميلة لها بجروح خطيرة نتيجة عدوان تعرضت له ساحة الاعتصام. وبهذا تكون السيدة (أم جنات) كما يعرفها الثوار أول شهيدة تلقى حتفها في ساحة التظاهر.

المسعفة هي وظيفة ثورية بامتياز، ظهرت بصورة جلية منذ اندلاع التظاهرات في الأول من أكتوبر الماضي. هي المرأة التي تسعف الثورة وتداوي جراحات الثوار. توجد معهم طوال اليوم في الساحات. تبث فيهم الأمل بالنجاح وتوفر لهم شرط الأمان الضروري الذي يلعبه المستشفى في حياتنا.

وفي مجتمع مغلق نسبياً نتيجة الهيمنة الظلامية على قيمه لسنوات طويلة، تحارب المرأة المسعفة على مستويين: الأول يخص الظروف الاجتماعية المعقدة، والثاني فهي تحارب السلطة وأدواتها القمعية. لكن وظيفتها الإنسانية ترتفع بها فوق السؤال الاجتماعي كملاك للرحمة دون أن يحصنها ذلك من التعرض لخطر الموت.


بملابسهن البيضاء شاهدنا المسعفات الثوريات وهن يقدمن درساً في البطولة، ولم ينس العراقيون مشهد المسعفة البغدادية التي تعلقت بساق واحدة على جانب سيارة الإسعاف المنطلقة بسرعتها الشديدة، لنقل أحد جرحى الاعتداءات اليومية إلى المستشفى، كما لم ينسوا تلك المسعفة التي اتخذت من الرصيف سريراً لراحتها بعد عناء أيام طويلة وهي تركض بين قنابل الغاز المسيل للدموع، والذي يخترقه الرصاص الحي الكثيف لتنقذ روحاً ثائرة. تختلف هذه المرأة الشجاعة عن وظيفة المسعفة أو الممرضة في المؤسسات الصحية بكونها تعمل في الثورة، وإن واجبها الإنساني لا يتوقف عند حدود تقديم الإسعافات الأولية، إنما يتعداه إلى المساهمة بكل تدفق العمل الاحتجاجي من ترديد الهتافات ورفع الشعارات الوطنية. ومما يزيد من درجة تميزها أنها، ترتدي - مع ردائها الأبيض - غالباً اليشماغ الذي يتوشح به الثوار، مشفوعاً بالعلم العراقي، ولها ملامح أنثوية حادة وشرسة تؤطر حضورها الناعم في المجال العمومي للثورة.

مسعفات الثورة العراقيات، هن نوع جديد من النساء يولد الآن ويدرج المرأة العراقية في سجل الخلود الوطني. إنها سيدة الرحمة المتمردة على الفصل الاجتماعي، وإنها ملاك حماية الثوار.

صعدت روح أم جنات بهدوء إلى السماء، لكن صورتها ستبقى مطبوعة في ضمير الملايين، وما الثورة السلمية إلا شابة بملابس بيضاء تريد وطناً.
#بلا_حدود