الخميس - 02 أبريل 2020
الخميس - 02 أبريل 2020

التعليميَّة.. وفتنة الأدب

د. واسيني الاعرج
أكاديمي وروائي مقيم بفرنسا، عمل في جامعة الجزائر المركزية، قبل أن يلتحق في 1994 بجامعة السوربون في باريس. يسهم بتحليلاته الثقافية والسياسية في صحف عربية كثيرة، حصل على جوائز مرموقة منها جائزة الشيخ زايد للآداب.
كل شيء بدأ مع نص طفولي درسناه بالفرنسية في السنوات الأولى من الاستقلال، اسمه «ماتيو فالكوني».. القصة كانت للقاص الفرنسي الكبير وعضو الأكاديمية الفرنسية «بروسبير ميريمبي»، تتعلق بالقيم الكورسيكية التي تصل حد ارتكاب الجريمة استرضاء لهذه القيم الشبيهة في المجتمعات العربية بقيم الشرف.

يقيم السيد ماتيو فالكوني مع عائلته الصغيرة على حواف غابة في كورسيكا، وفي مرة من المرات يخرج برفقة زوجته لتفقّد ماشيته.. يترك ابنه الوحيد ووريثه الذكي فورتيناتو لحراسة البيت، ويرى فجأة شخصاً يقترب من البيت، فيدرك بسرعة أنه مجروح ومتابع من طرف السلطات العسكرية، ويطلب الجريح منه أن يخبئه فهو صديق والده ومطارد.

ينصاع الطفل لطلب الرجل مقابل 5 فرنكات، لكن، بعدها بوقت قصير، يرى فورتيناتو 6 أشخاص متجهين نحو بيته، وعندما وصلوا، سألوه إن كان قد رأى شخصاً هارباً؟ فينكر، ويصر، لكن المجموعة كانت شبه متأكدة من أن طريدتهم هناك.. يغرون فورتيناتو بساعة جميلة، فيكشف لهم عن مخبأ الرجل المطلوب.. في اللحظة نفسها يصل ماتيو فالكوني، والد فورتيناتو، فيتابع مشهد أخذ الرجل الذي طلب الأمان من بيته. ثم رآه وهو يقاد إلى السجن، ويلعن الطفل الذي باعه للقتلة، ويتهم عائلة ماتيو فالكوني بالخيانة.


عندما ذهب العسكر ورأى الساعة في يد ابنه، طلب منه أن يقول له حقيقة حصوله على الساعة ومن أين جاءته، وبعد إنكار ضعيف اعترف الطفل، فاتخذ الأب قراراً وطلب من ابنه أن يودع أمه ويتبعه.

يخرجان معاً إلى الغابة على الرغم من إلحاح الأم بالبقاء. لكن الطفل، في حالة تشبه حالة سيدنا إسماعيل، ينفذ أوامر والده، وعندما يصلان إلى عمق الغابة، طلب من ابنه أن يؤدي صلاة الغفران، يستسلم فورتيناتو لقرار والده، وبعدها يطلق ماتيو فاكوني النار على وحيده غسلاً للعار.

ما معنى الخيانة في حضرة طفل كان مشدوداً إلى الساعة أكثر من انشداده إلى قضية أو خيانة؟.. أليس ما قام به ماتيو فالكوني جريمة أيضاً لا تقل عن جريمة خيانة ابنه؟.. أصبت برعب يومها من القصة، وشعرت في أعماقي بحالة التباس، بين حب الكاتب بروسبير ميريمي، وبين ما رواه.

في النهاية، عرف أستاذنا الفرنسي كيف يجعل نصوص ميريمبي القصصية، تستقر في دواخلنا وتدفع بنا إلى تأمل الحياة وقيمها ونقدها، في وقت مبكر، ولم ينسحب نص ماتيو فالكوني من ذاكرتي إلا عندما جاءنا بنص آخر لنفس الكاتب: كارمن التي التصقت بي هي الأخرى بقوة، غجرية كان رهانها الأوحد والأعظم في الحياة هو الحرية، تصاب بعشق خوسي العسكري المتفتح على مستقبل زاهر، فتدمره وتدفع به إلى الجريمة، أصبحتُ بعدها، أفتش تلقائياً عن كل ما له صلة بكارمن قبل أن أتعرف على أوبرا كارمن لبيزيي، والأفلام، والموسيقى.
#بلا_حدود