السبت - 04 أبريل 2020
السبت - 04 أبريل 2020

بي بي سي.. الإشكالية والحل

لعقود طويلة كانت شبكة الإذاعة البريطانية هي المصدر الموثوق حول العالم، وقد شنفت الآذان، لا سيما عبر إذاعتها الموجهة إلى العالم العربي بأخبار كانت المصداقية سمتها الرئيسة، بل إن جموع المستمعين في الشرق الأوسط كانوا يهرعون إليها، حال أرادوا إدراك الحقائق التي تجري بها المقادير من حولهم في الإقليم، وفي داخل كل قطر عربي على السواء.

ما سبق كان نتيجة لوجود إذاعة مهنية بدرجة كبيرة، وتتمتع بصدقية غالبة، وإن غابت المطلقة، فلا مطلق على وجه الأرض بالمرة، وقد شارك في انطلاقة القسم العربي منها تحديداً عمالقة في عالم الإعلام والإذاعة العربية، ومن مختلف دول العالم العربي.

على أن المتابع لشبكة الإذاعة والتلفزيون العربية في العقدين الأخيرين بات يتساءل.. ما الذي جرى لهذه الشبكة العريقة إلى الدرجة التي أصبحت معها تعرف ب «بي بي سي إخوان»؟، من جراء إغراقها في التغطية والترويج لجماعة الإخوان الموسومة بالإرهاب في العالم العربي، وبدت وكأنها توفر لهم نوعاً من أنواع الحماية الإعلامية حول العالم.

خلال سنوات ما عرف بالربيع العربي، والذي كان في حقيقته شتاء أصولياً إسلاموياً، ولا نقول إسلامياً، لأنه يتدثر في عباءة الإسلام لتحقيق أهداف سياسية بامتياز، كانت الصدمة بالغة من جراء التغطية غير المهنية، المساندة إلى أبعد حد ومد لجماعة الإخوان المسلمين، والساعية لتبرير أفعالهم الإرهابية، وعلى الناحية الأخرى كانت تأخذ مواقف معادية لكافة التيارات الوطنية، مهما كانت صدقيتها وقوة حجتها، فقد غيبتها تغطيات بي بي سي إذاعة وتلفزة.

التساؤل الذي ارتفع في الأفق منذ ذلك التوقيت: «هل تقوم هيئة الإذاعة البريطانية بدور له جذور عميقة في الداخل البريطاني، أي إنها ليست سوى امتداد للكثير من الأهداف الاستراتيجية البريطانية منذ أوائل القرن الـ20 وحتى الساعة؟ المعروف وليس السر أن بريطانيا ومن أجل قطع الطريق على تيار القومية العربية الصاعد في أعلى عليين في تلك الفترة، استدارت من وراء التضاريس، وتفتق ذهنها عن فكرة دوغمائية متطرفة، تمثلت في تصدير أفكار دينية متشددة وإعادة إحيائها والعمل على تشجيعها، بل ودعمها بالمال، وما خفي كان أعظم من أجل شق الصف العربي الداخلي، كان ذلك في عام 1928 وعلى أرض محافظة الإسماعيلية المصرية، حيث انطلقت جماعة الإخوان الإرهابية، والتي تعد الحاضنة الكبرى لكافة جماعات الإسلام السياسي العسكرية والمدنية، والتي لا فرق بينها، فجميعها منتظمة في عقد واحد من زمن ابن تيمية مروراً بـ«أبو الأعلى المودودي» وصولاً إلى أفكار سيد قطب التكفيرية، والتي كانت ولا تزال بمثابة المنطق الذي يحكم جماعات الإرهاب المختلفة أشكالها وأسماؤها، لا سيما التنظيمين الأشد ضراوة في العقود الأخيرة أي القاعدة وداعش.

هل باتت هيئة الإذاعة البريطانية أمام استحقاق الإصلاحات الجذرية أو إلغاء الدعم المقدم لها من الدولة البريطانية؟ هذا هو التحذير الذي أطلقه وزير الثقافة البريطاني الجديد أوليفر داوين، في أول تصريحاته بعد تسلمه الحقيبة الوزارية من سلفه نيكي مورجان، والذي طالب الهيئة باتخاذ الخطوات اللازمة لعمل إصلاحات والاقتراب بشكل أكبر من الذوق العام والاهتمام بقضايا الساعة، حتى تضمن الاستمرارية للعقود القادمة.

الحل في إشكالية بي بي سي هو العودة إلى المصداقية التي كانت تتمتع بها من قبل والحفاظ على التوازن في التغطية...الانحياز لا يفيد بل قد يفقدها مستقبلها عما قريب.

#بلا_حدود