السبت - 04 أبريل 2020
السبت - 04 أبريل 2020

الكتابة بين الإفهام والتلبيس

د. انتصار البناء
كاتبة وناقدة بحرينية، حاصلة على الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث، لها عدة مقالات ودراسات في النقد الأدبي والثقافي والتحليل السياسي في عدة صحف ودوريات عربية
كم مرة حدث أن وقعت في سوء الفهم بسبب حوار مكتوب، سواء على برنامج واتساب أو باقي وسائل التواصل الاجتماعي المفتوحة؟ كم مرة عجزت عن فهم توجيه أو إرشاد ما كُتب بطريقة تحتمل وجهين؟ وكم مرة صرح أحدهم أن ما نُسب إليه في وسائل الإعلام المكتوبة فُهم خطأ؟ نحن نظن أن النص المكتوب هو نص مُحكم، وأنه دامغ ومحمي من أي لبس أو تضليل، لكن هذا ظن بعضه ليس صحيحاً.

يقول علماء اللسانيات: إن اللغات بدأت أولاً شفوية، وإن التراث الإنساني الأول نُقل عبر الزمن مشافهة قبل أن يتعلم الإنسان الأول نقش الرموز على الجدران لتوثيق تأملاته التي تحولت فيما بعد إلى حروف لكتابة اللغات.

ويقول اللسانيون إن الخطاب الشفوي هو خطاب مباشر ومكتمل الدلالة، تكون نسبه سوء الفهم واللبس فيه نادرة جداً، إذ تضاف إلى التركيبة البسيطة للمعنى في انتقاء الكلمات والجمل في الخطاب الشفاهي، نبرة الصوت المعبرة، والتقطيع المقصود للمعاني الارتكازية في الخطاب، وكذلك التعبير الجسدي، والتكرار أحياناً، أو الإلحاح على ألفاظ محددة، وهذا ما يجعل المتلقي أكثر استجابة لدلالة الكلام وفهم أبعاده.


وبعد أن اخترع الإنسان الكتابة التي يصفها العلماء بأنها أحد أهم 3 اختراعات عرفتها البشرية وغيرت حياتهم (الكتابة، النار، العجلة)، فقد احتاج الإنسان لوضع عدة قواعد تضبط تحديد المعنى وتقييده ضماناً لفهم المتلقي فهماً سليماً، كما أدى تعدد اللغات وتشعب قواعدها إلى اختراع الترجمة لتوسعة الفهم البشري المتعدد.

وأخيراً، وعلى مستوى كل لغة، وُضع علم التأويل الذي يبحث في المعاني البعيدة والمضمرة في الخطاب المكتوب، فالخطاب المكتوب وعلى مستوى أدائي معين يحتمل أكثر من معنى، وربما يكون المعنى الظاهر ليس هو المعنى المقصود أو الحقيقي.

لذلك، فإذا كان ما يُقال ليس كله صحيحاً، وما يكتب ليس كله مفهوماً على نحو واحد، فالكتابة ليست بالقطع أداة لإيصال الحقيقة، بل بإمكانها أن تكون وسيلة للتدليس وأداة له، ولنا في (تفسير المؤولين) لقوله تعالى: «ثم استوى على العرش» (الأعراف 54) عبرة، لنرى كيف تحولت هذه الآية المحكمة إلى مادة (كُتبت) فيها مجلدات، افتعل فيها الاختلاف بل واختلق فيها التكفير؟ فالكتابة أحياناً تكون أداة للفرقة بالدرجة التي يمكن أن تكون فيها بياناً جامعاً لوحدة الناس.

لذلك فمهما تطورت فنون الكتابة، وزادت جودتها، وتعددت أجناسها، فإنها لا تبلغ سرعة دلالة المشافه، وأحياناً لا تحمل جمالياتها الأدائية.
#بلا_حدود