الاثنين - 13 يوليو 2020
الاثنين - 13 يوليو 2020

دور الفن في الأزمات الإنسانية

د. شهد الراوي
روائية من العراق من مواليد 1986، صدرت لها رواية «ساعة بغداد» وترجمت إلى لغات أجنبية عدة، ووصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، وحصلت على جائزة «مهرجان أدنبرة للرواية الأولى» 2018 حاصلة على الدكتوراه في الأنثربولوجيا الإدارية، وشاركت في عدد من المهرجانات الأدبية العالمية والإقليمية.

في المشاهد الأخيرة لفيلم «تايتنك» الشهير، تقف جوقة موسيقية على حافة الباخرة المنكوبة، وهي تنزلق داخل الماء تدريجياً، بينما يستمر العازفون بالعزف في هدوء مريب، وسط صيحات الركاب الذين يواجهون مصائرهم الأخيرة.

طالما أثار هذا المشهد إعجابي، وقد بدا لي، من خلال التأمل، وكأنه واقعة سريالية رغم حتمية الدور الذي يشغله الفن في حياتنا، وعلى وجه الخصوص أثناء الأزمات والكوارث الإنسانية، تلك الأيام العصيبة من حياتنا البشرية، حيث يتعالى الفن على الواقع بانغماسه في خصوصيته، وفي ممارسته شيئاً من التشافي الذاتي.

وبالعودة إلى الظروف التي نشهدها هذه الأيام، ينجرف الناس نحو التعليق على الأحداث العامة، بينما تنطلق غريزة التعقيب على هذه الأحداث من الحاجة الاجتماعية التي يشعر الإنسان من خلالها بضرورة الإسهام بشكلٍ أو بآخر في صناعة التاريخ.

ذكرت كريستي كوفال في مقال لها: أن نزوع العمال نحو الشعور بالمسؤولية تجاه القضايا العامة، هو أمر يُنظر إليه باعتباره مشكلة، من حيث تأثيره بما يسمى «بالأهداف الشخصية» الخاصة بهم كأفراد، ما يعني أن الشعور بالمسؤولية تجاه القضايا العامة المسلطة من الخارج، يقف عائقاً، مما لا يدعو للشك، بيننا وبين تحقيق الذات وأهدافها.

وفي ما يخص الظروف الاستثنائية، تغيب الأنا تماماً عن المشهد وتندمج بالجماعة، وتشارك في تعبيرها عن الخوف والقلق، وتستخدم «مرونتها» في الالتحاق بالمجاميع القلقة، الواعظة أو الساخرة، ثم تنسى السؤال عن ذاتها غير المتحققة وسط أرقام مجانية من الموتى، أرقام بلا حكايات يسعفها الوقت لتُروى، وحده الفن من ينقذها في اللحظات المظلمة من هذا الشعور المخزي بالتبعية، وحده من يتوهج مثل شعلة أبدية وسط مياه راكدة، وحده من يرسم لوحة، يعزف مقطوعة، أو يكتب قصيدة، ثم يقف على حافة مركبتنا مثل جوقة موسيقية لا ترضى أن يُحكم عليها بالنسيان أو الموت دون أن يكون لها الحق في سرد قصتها الشخصية.

#بلا_حدود