السبت - 04 أبريل 2020
السبت - 04 أبريل 2020

هل الرواية نقيض السياسة؟

د. واسيني الاعرج
أكاديمي وروائي مقيم بفرنسا، عمل في جامعة الجزائر المركزية، قبل أن يلتحق في 1994 بجامعة السوربون في باريس. يسهم بتحليلاته الثقافية والسياسية في صحف عربية كثيرة، حصل على جوائز مرموقة منها جائزة الشيخ زايد للآداب.
لنا أن نرى في الرواية وسيلة ثقافية لتغيير المجتمع ومناهضة الظلم كما رأى ذلك رواد الالتزام الأدبي وفي مقدمتهم المفكر والفيلسوف جان بول سارتر، الذي نظر للظاهرة إذ لا يرى جدوى للنص الأدبي خارج هذه المعادلة.

لنا أيضا أن نرى في الرواية في زمننا كما في الأزمنة الغابرة، سبيلا من سبل المتعة، فقد خُلقت لذاك أيضا، والمثال الذي يحضر باستمرار هو رواية دون كيخوتي لسرفانتيس كما صرح هو نفسه بذلك في بداية نصه، لكنها بالرغم من ذلك تظل أوسع من هذه الأطروحات السهلة.

نعم، المتعة هي السبيل الأسمى للتغلغل في روح النص وحبه، والاستمرار في قراءته، النص الثقيل وغير الممتع يُترك عادة جانبا بعد محاولات عدة لقراءته.


الرواية هي أيضا فعل الحرية الممارَس كتابيا، في تساميه ومطلقه ومثله، لهذا فهي تصنع بهدوء وسكينة الوجدان الإنساني العميق، وتهبه ما لا يمكن أن يفعله الخطاب السياسي المشروط بزمنية ومصلحة يحددهما الظرف المعيش.

في وجدان الإنسان الفرنسي تحديدا «زولا» في نصوصه الإنسانية وفي دفاعه عن قيم العدل والإنصاف والح، في غوستاف فلوبير نبض الحق في الحب للمرأة كما للرجل، والدفاع عن حرية الإنسان في أن يكون كما يشاء وبالتحديد المرأة التي حولها المجتمع البورجوازي المحرر؟ إلى شيء.

في بلزاك شيء من الإرادة الفولاذية التي تجعل من الإنسان قوة لا تنفذ، في روايات مارسيل بروست الحياة في غناها واتساعها، كلها تسربت عبر الزمن نحو وجدان العالم حتى أصبحت جزءا من الكيان العام.

الرواية تنقل هذه القيم الإنسانية عبر وسائطها السلسة التي امتلكتها عبر الزمن، فهي على النقيض من السياسي الذي يتصف بالمؤقت الزائل، الذي تحكمه براغماتية نفعية تتغير بحسب المصالح والمتغيرات، فما هو صالح اليوم، قد لا يكونه غدا كذلك.

قيم الرواية مطلقة، وإلا لماذا ما زلنا إلى اليوم نقرأ المعري بحب، لأن الظرف الوجودي للإنسان في علاقاته الكبيرة بكل ما يحيط به، تظل قائمة.. من نحن وإلى أين نمضي؟

مازلنا نقف وراء التوحيدي وهو يحرق كتبه في آخر عمره، ونقبل جبينه لأن الصدمة علمته أن الأدب خُلق ليكون حرا وليس في خدمة الطغاة الصغار.

لماذا نقرأ الإلياذة والأوديسة إذا لم يكن نبل كره الحروب ورفضها بشكل مطلق هو أساسها؟، هل كان يجب أن يموت هكتور لينفخ أسخيلوس نفسه كالديك بأنه انتصر؟

وهل كان من الضروري حرق أثينا في وقت أن العقل كان يمكن أن يكون بديلا للدم.. هل تغير العالم اليوم؟، أبدا.

ما العبرة من قراءة دون كيخوتي سوى خوض الحرب العادلة دفاعا عن الحق حتى ولو بدونا مجانين أمام من يرانا؟، الأدب لا يحل المشكلات الإنسانية ولكنه يمضي بها نحو مصنع الرواية ليجعل منها قيما بالوجهين ويمضي في تفكيكها، الرواية هي تراجيديا الإنسان المعاصر في مواجهته للمصائر الغامضة التي تنتظره.
#بلا_حدود