الاثنين - 13 يوليو 2020
الاثنين - 13 يوليو 2020

زحزحة رقمية بحجم القارات

مالك العثامنة
إعلامي أردني مقيم في بلجيكا، متخصص في شؤون الشرق الأوسط والدراسات التحليلية والرصد الإعلامي. له مقالات في عدة صحف عربية، محلل سياسي على قنوات تلفزيونية ناطقة بالعربية
من أكثر العبارات التي سمعناها في أزمة «كورونا»، كانت «العالم ما بعد كورونا سيكون مختلفاً عن العالم ما قبله».

حسناً، ربما هي العبارة الأكثر دقة والتي يشعر بها الجميع من واقع الخبرة والعيش والمعطيات في كل ما هو حولنا.

سلوكيات الناس، فعلاً، تغيرت في زمن الكورونا القصير، حتى الآن، والمرعب الذي نعيشه، ولكن التغير الحقيقي في السلوكيات هو سلوكنا كمستهلكين قابعين في بيوتنا، معتمدين أكثر وأكثر على الأسواق الرقمية والاقتصاد الرقمي بشكل شبه كلي، تقريباً.


القصة لا تقف عند البضائع المشتراة، والتي لا يزال كثير منها نتبضّعه من المتاجر، بل في الخدمات «الإنترنتية» في عوالم الترفيه والأعمال.

في عالم الأعمال، صار كثير من الوظائف تؤدَّى من البيت، وهذا يتطلب في كثير منها، تهيئة تقنية لحواسيب المنازل بكل ما يفرضه ذلك، من شراء برامج وتطبيقات مهنية مختصة كانت متوفرة في المكاتب.

في عالم الترفيه، خصوصاً في الدول التي فرضت الحجر (وهي تتكاثر يومياً)، فأنت أمام حالة ضجر لن يكسرها إلا الاشتراكات المتزايدة والمتصاعدة في عوالم الترفيه الإلكتروني الضخمة والعديدة، وهي هنا بدورها، تحرك صناعة ضخمة تحاول أن تلبي الطلب المتزايد بعروض جديدة غير مسبوقة.

هذه سلوكيات ستتموضع وتصبح مستقرة في غالبيتها، بعد انحسار أزمة كورونا، التي لن تنتهي نهائياً بزمن قريب كما يقول العلماء.

هذا التغير الضخم، الذي يشبه بضخامته زحزحة قارية بكل ما يصحبها من انهيارات ضخمة وتضاريس «اجتماعية» ومجتمعية جديدة، سيفرض نفسه، أيضاً، على أشكال الحكومات، وتلك الحكومات التي كانت مهيأة «إلكترونياً» مسبقاً في زمن «قبل كورونا» ستكون الأكثر حظاً في التماهي مع العالم الجديد.

أما تلك التي تأخرت في تطوير بنيتها التحتية بما يتناسب مع العالم الرقمي الجديد، فهي ملزمة بالتطوير الثقيل بكل ما يحمله من أعباء، ولا خيار لها، لأن العالم لن توجد فيه أي جغرافيا خارج التاريخ الجديد.

أحياناً، في أوروبا حيث أعيش تحديداً، أشعر أن العملة والتعاملات النقدية معرضة للتغيير الجوهري، فنحن الآن مقيدون جداً، وإلى أقصى حد ممكن في أزمة كورونا، من استخدام العملة النقدية أو البنكنوت، وهذا يعزز التبادلات البنكية عبر تطبيقات رقمية متعددة، وصار حتى استخدام الحافلة العامة، يتطلب منك شراء تذكرتك عبر تطبيقات التليفون مع تجنب نقد السائق أو تداول العملة باليد.

فعلاً.. العالم بعد كورونا، سيكون مختلفاً جداً، عن عالم ما قبل كورونا.
#بلا_حدود