الجمعة - 05 يونيو 2020
الجمعة - 05 يونيو 2020

جماليَّة اكتشاف البيت

د. شهد الراوي
روائية من العراق من مواليد 1986، صدرت لها رواية «ساعة بغداد» وترجمت إلى لغات أجنبية عدة، ووصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، وحصلت على جائزة «مهرجان أدنبرة للرواية الأولى» 2018 حاصلة على الدكتوراه في الأنثربولوجيا الإدارية، وشاركت في عدد من المهرجانات الأدبية العالمية والإقليمية.

يُخمن علماء تاريخ الأنثربولوجيا أن الإنسان «البدائي» ابتكر البيت لسببين، الأول: الاحتماء من ظروف الطبيعة المتقلبة، والثاني: الخوف من الحيوانات المفترسة.

وذاك المأوى البسيط، ربما، كان عبارة عن كهف أو سقيفة من فروع الأشجار، أو شكل هندسي قلد فيه الإنسان الطيور في بناء أعشاشها، كما يذهب المعماري الروماني فيترفيوس، الذي يأخذنا في رحلة تطورية لشكل بناء المنازل حتى القرن الميلادي الأول، حيث عاش هذا الفنان العبقري (70 قبل الميلاد - 23 بعد الميلاد ).

ليس لدينا تاريخ حقيقي لمعرفة متى وُلد باب البيت، ومتى ولدت النافذة، وما هو تاريخ ظهور أول حديقة منزلية، لكن الذي نعرفه أن الحياة الخاصة وُلدت مع فكرة البيت، وأصبحت الجدران الخارجية هي الحد الفاصل بين المجال العام والمجال الشخصي.

ومن أجل إظهار هذه الحدود بوضوح، طوَّر الإنسان حياة رفاهية داخلية، وترك واجهة بيته جميلة في الخارج، لتدل على شخصيته وذائقته ومساهمته في مجال تجميل الفضاء المدني.

في هذه الأيام، يدعونا الجميع إلى البقاء في البيت، ليس خوفاً من تقلبات الطبيعة الجوية، فهذا الأمر أصبح تحت سيطرة الإنسان، وكذلك ليس خوفاً من الحيوانات المفترسة، فهذه بدورها أصبحت تخاف من وجود الإنسان قريباً من بيئتها، وإنما هو الخوف مما لا نراه بالعين المجردة.

الآن تحول البيت إلى حياتنا كلها، وتبدلت معه ساعتنا البيولوجية، كما لو أن الزمن صار يتكرر دون شعور عميق بانسيابيَّته.

تعرفنا على الجدران والأبواب والنوافذ والستائر بشكل مباغت.. أدركنا الزوايا والمنحنيات، وتأملنا السلالم بطريقة جديدة مثل ضيوف على كوكب حلمنا به.. طالعنا اللوحات التي نسينا تفاصيلها بحكم التكرار والتعود.. الوقت يمر بطيئاً، والبيت يتكشف شيئاً فشيئاً تحت ضوء الملاحظات.

هذا إذن هو المأوى الذي اطمئن له الإنسان القديم، وهذه هي حياة الأسرة الدافئة.. كم هي جميلة هذه الألفة الاضطرارية، وكم كنا بحاجة إلى أن نعيش حياة البيت بكل ثقلها، حتى نكتشف أن العالم خارج الجدران ليس رحيماً بدرجة كافية..

#بلا_حدود