الخميس - 01 أكتوبر 2020
الخميس - 01 أكتوبر 2020

بروست.. وليالي الحبانيَّة المفقودة

د. شهد الراوي
روائية من العراق من مواليد 1986، صدرت لها رواية «ساعة بغداد» وترجمت إلى لغات أجنبية عدة، ووصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، وحصلت على جائزة «مهرجان أدنبرة للرواية الأولى» 2018 حاصلة على الدكتوراه في الأنثربولوجيا الإدارية، وشاركت في عدد من المهرجانات الأدبية العالمية والإقليمية.

في الجزء الأول من الرواية الشهيرة «البحث في الزمن المفقود» للروائي الفرنسي مارسيل بروست، يحاول سارد القصة «جار شخصية تدعى سوان» أن يتذكر كل البيوت والغرف التي سكنها في حياته، ويستغرق في أول فصل من الرواية في وصف هذه الأمكنة، ثم يمنح بالإضافة إلى ذلك مفتاحاً سرياً لعملية التذكر، حيث اللحظات الأخيرة التي تسبق سقوطه في سباتٍ عميق أو اللحظات الأولى التي يبدأ فيها بالاستيقاظ من نومه.

وببراعة بروست المعروفة يحرث الكاتب في تربة التفاصيل، حتى يتراءى للقارئ صور تخص ذاكرته الشخصية، هذا ما حدث معي حقاً حين ذكر سوان أيامه في «تانسونفيل» عندما كانوا لا يخرجون إلا عند حلول الليل، يسيرون ويلعبون في الدروب تحت ضوء القمر، فقد شاهدت نفسي طفلة في مدينة «الحبّانيّة» السياحية، ألعب مع بنات عمي تحت ضوء القمر أيضاً، وكانت هذه الفسحة الليلية لا يمكنها أن تتحقق إلا في سفرة عائلية من هذا النوع.

هالني هذا الشعور الغريب، فقد استطاع بروست أن يأتي بصورة منسية تماماً من ذاكرتي ويمررها أمامي بكل ثقلها الشعوري ذلك المساء، وصوت عمتي البعيد وضربة حبل القفز على كاحلي، ورائحة قلي البطاطس، والبناية البعيدة بأضوائها لفندق المنتجع، جرني بروست إلى لعبته اللذيذة.

لقد انفتحت بوابة الذكريات من أمامي ورحتُ أغوص في تفاصيل طفولتي العذبة، حتى استغرقت في نوم عميق، نمت للمرة الأولى نوماً هانئاً، وشاهدت سوان في منامي يلعب مع أقاربي في الحبانية، عرفت حينها وعن تجربة أهمية بروست كروائي عظيم، اتخذ من الأدب مشروع حياة، فقد عاش نصف حياته يكتب عن نصفها المعاش، وكان صادقاً وأميناً مع زمنه المسترجع، حتى أصبح تأثير نصه المكتوب، كالسحر المفروش على الزمن، فيه دواء لعلل الإنسان المجبر دائماً على الرحيل.

ومع تكملة أجزاء الرواية السبعة، سنعرف أن حيواتنا متشابهة في صورها المستعادة، مهما اختلفت قصصها، وأن واحدة من هبات الأدب علينا، أنه جاءَ ليقول: أنتم أبناء حكاية واحدة، ليس لأحدكم جانب ثالث ينام عليه.. بالتعاطف وحده يمكنكم أن تتمتعوا بالتسامح وبأحلام تشاهدون فيها بروست بملابس القرن الـ19 يراقص طفلة في تسعينيات القرن الماضي، على رمال شاطئ منتجع الحبانية السياحية المفقودة.

#بلا_حدود