الخميس - 28 مايو 2020
الخميس - 28 مايو 2020

الحروب الثقافية.. والعرب

د. انتصار البناء
كاتبة وناقدة بحرينية، حاصلة على الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث، لها عدة مقالات ودراسات في النقد الأدبي والثقافي والتحليل السياسي في عدة صحف ودوريات عربية
الأصل في هذه الحياة هو الصراع وليس التفاهم، إذ لم يسهم التقدم والحداثة في إيقاف أي نوع من الحروب التي عرفتها البشرية منذ بدء الخليقة، بل إن التطور عمل على خلق ساحات ومجالات جديدة يتصارع عليها البشر، من الحرب النارية التي تستنزف الدماء إلى الحروب العلمية والتجارية والثقافية، وكل الحروب لا تهدف لخدمة البشرية، ولكنها تحقق مصالح فئة محدودة من البشر تسعى للسيطرة على الكون.

والثقافة بمعناها الواسع، صارت ساحة كبيرة وفاعلة للصراعات المعاصرة، باعتبارها حيزاً شاملاً يغطي كافة مناحي حياة الفرد والمجتمع من أنماط التفكير والأفكار الشائعة المنسوجة من التاريخ والأيديولوجيا وتفاعلات الحاضر، إلى أسلوب التعبير عن الذات من مأكل وملبس وأخلاقيات تعامل، وبدراسة الحروب الثقافية سوف ندرك أنها صارت جزءاً أصيلاً من جدلنا اليومي والمصيري أحياناً، وصارت أحد موجهات سلوكنا واتخاذ قراراتنا.

تختزل أغلب الدراسات الحروب الثقافية في أربعة صراعات، الأول: بين دعاة التحرر من الليبراليين وبين المحافظين ودعاة الحشمة القلقين على قيم الأسرة وأخلاقيات المجتمع، والحرب الثانية: تديرها قيم السوق الاستهلاكية التي سلّعت الكماليات وجعلتها ضروريات وسخَّرت ثقافة الصورة والمرأة للترويج لكل ما يصلح ولا يصلح، والحرب الثالثة: تدور رحاها بين مبادئ التعددية وقبول الآخر وبين الشعوبيين ومناهضي الهجرة الذين يدافعون عن السكان الأصليين ومستقبل الإجماع والإرث المشترك، والحرب الأخيرة هي: حروب (الأمركة) التي تخوضها أمريكا ضد كل ما هو ليس أمريكياً سياسياً واقتصادياً وأيديولوجياً.


إن هذه الحروب غير الدموية ذات قدرة فتاكة في التغلغل إلى التفاصيل الدقيقة في حياتنا، وقادرة على خَنْدقَتِنا مع أحد أطرافها وشغلنا بالنقاشات والتحليلات الاجتماعية والإنسانية لأثر كل قضية سلباً وإيجاباً، أحد صور تلك النقاشات الصاخبة تتجلى حول محتوى الأعمال السردية والفنية حين تتعرض للتابوهات، وللقضايا المتستر عليها في مجتمعاتنا، والحرب بين هواتف الآيفون والغلاكسي والهواوي، وإن الناس دخلوا في جدل عقيم وكبير يخيل إليهم أنه منهجي، وأنه كاشف لأبعاد لا يدركها عامة الناس.

ونحن العرب الأكثر تأثراً وتضرراً من هذه الحروب الثقافية، ذلك لأن معالم ثقافتنا آخذة في التفكك والتشتت بين الأفكار الأصولية وبين استنساخ ثقافات الآخرين، فما هي معالم ثقافتنا اليوم التي يجب أن نحافظ عليها؟ في الغالب ستكون الإجابة بعيدة عن تمثلات الواقع، وسنجد أنه من الصعب أن تميز أنفسنا وهويتنا بسمات واضحة تجعلنا صامدين أمام الاستقطابات الثقافية العاتية التي تعصف بنا من كل إقليم في هذا العالم.
#بلا_حدود