الثلاثاء - 07 يوليو 2020
الثلاثاء - 07 يوليو 2020

التحرير.. المهنة الغائبة عربياً

د. واسيني الاعرج
أكاديمي وروائي مقيم بفرنسا، عمل في جامعة الجزائر المركزية، قبل أن يلتحق في 1994 بجامعة السوربون في باريس. يسهم بتحليلاته الثقافية والسياسية في صحف عربية كثيرة، حصل على جوائز مرموقة منها جائزة الشيخ زايد للآداب.

هناك بعض الوظائف في عالم النشر ومنها التحرير تعتبر إلى اليوم غير ضرورية في العالم العربي، مع أنه عالمياً لا يمكن الحديث عن دار نشر محترمة دون تحرير أو إيدتينغ، وعليه تتأسس صورة دار النشر واختبار جديتها.

إن التحرير يلعب دوراً حاسماً في تقييم منجز دار النشر أمام الدور الأخرى، وحتى تكون العملية جادة وجدية، يقتضي الأمر تواصلاً مقنعاً، وتفاهماً ضرورياً بين ثالوث النشر «الكاتب + دار النشر + المحرر»، هذا الأخير يعرف جيداً عالم النشر وعلامات النص الناجح، يشتغل عليه بحيث يمكنه من العبور بسلام من المعوقات التي تعطل انتشاره.

فالنص الأدبي في نهاية المطاف سلعة خاصة لكنه سلعة، وهذه السلعة إذا لم يكن تعليبها جيداً وشكلها مثيراً للانتباه، وألوانها زاهية فهي لن تمر نحو هدفها، والنص مهما كان تمايزه وقوته الأدبية، إذا لم يمر عبر التحرير قد لا يتخطى عتبات النشر، في ظل نشر كثيف ومتوحش أحياناً، لا يحكمه أي نظام سوى النشر والركض نحو الجوائز، وكأن هذه الأخيرة لا تتوفر على عقل ناظم للأشياء وفق شروط تحددها سلفاً.

إن الغث كثيراً ما يطغى على الجيد الذي يختنق داخل الكثافة التي لا تعني الشيء الكثير من حيث القيمة لكنها مؤثرة سلبياً، وفي ظل عالم فوضى النشر في العالم العربي، قد تبدو فكرة المحرر عملية شكلية ليست ذات قيمة تذكر لأنها تقنية بحتة، تنتهي عند حدود تصحيح الأخطاء المطبعية، واستدراك الأخطاء الإملائية واللغوية، وتدقيق في النسق الجملي، والترقيم، والتصفيح، وإدراج علامات الوقف، تنظيم فقرات النص، وغيرها، ما سيجعل النص من الناحية التنظيمية وحدة متكاملة بفضل التحرير الجيد، لكن وظيفة المحرر أكبر من هذا كله، فهي تخصص قائم بذاته في عالم النشر، فقد يضطر المحرر أحياناً إلى إعادة هيكلة النص بالتخلص من الزوائد التي تثقل الكتابة بلا معنى.

ويروي المحرر في دار النشر لوسوي الفرنسية، أنهم عندما طبعوا رواية كاتب ياسين «نجمة»، ضحوا بنصف الرواية، لأنهم شعروا بأن الرواية على الرغم من جمالها ونزعتها التجديدية، أرادت أن تقول كل شيء في نفس الكتاب، فحشت الشعر والسرد والتاريخ وكان لا بد من إعادة تنظيم نصها وتحريره من كل الزوائد التي قد تكون مهمة في مكان آخر، لكن ليس في نص نجمة، فقد تخلص المحرر من جزء كبير من الرواية، لتصبح بعدها نجمة نصاً أخف وأجمل، من هنا يصبح التحرير مهماً وخطيراً لأنه المرحلة التي تسبق بقليل مرحلة الدفع بالكتاب نحو المطبعة.

إن فعل التحرير ليس مهماً فحسب، لكنه ضرورة لا يقوم النص بشكل كامل إلا من خلالها.

المحرر لا ينزل من السماء ولكنه ثمرة تكوين حقيقي، فكم نحن في حاجة عربياً له لنجعل من صناعة الكتابة وتسويقها حرفة قائمة بذاتها، ولحسن الحظ هناك جهود عربية مهمة في هذا المجال، لكنها للأسف قليلة.

#بلا_حدود