السبت - 11 يوليو 2020
السبت - 11 يوليو 2020

التحرير.. المهنة الغائبة صحفيّاً

مالك العثامنة
إعلامي أردني مقيم في بلجيكا، متخصص في شؤون الشرق الأوسط والدراسات التحليلية والرصد الإعلامي. له مقالات في عدة صحف عربية، محلل سياسي على قنوات تلفزيونية ناطقة بالعربية
في مقاله الأخير يوم الثلاثاء 26 مايو الجاري في جريدة «الرؤية»، وكعادته في الالتقاطات الذكية، أضاء الدكتور واسيني الأعرج على منطقة معتمة رغم خصوبتها وحيويتها في عالم الكتابة والصحافة والنشر.

وتحت عنوان: «التحرير.. المهنة الغائبة عربياً» يستهل الدكتور الأديب والروائي مقاله بجملة مكثفة وموجعة فيقول: «..هناك بعض الوظائف في عالم النشر، ومنها التحرير، تعتبر إلى اليوم غير ضرورية في العالم العربي، مع أنه عالمياً لا يمكن الحديث عن دار نشر محترمة دون تحرير أو إيدتينغ، وعليه تتأسس صورة دار النشر واختبار جديتها!».

يمكن أن تضيف على الوجع الذي نكأه الدكتور واسيني بمقاله، ما يوجع أكثر في عالم الصحافة والإعلام، فمهنة «التحرير» كتخصص باتت غائبة عن كثير من مؤسسات الصحافة العربية، خصوصاً في الإلكترونية منها، ومرد ذلك هو استسهال المهنة، وتوهم القدرة على امتطاء صهوتها، ما أوصلنا الى إعلام في بعض حالاته العربية ليس أكثر من تفريخ لتلك الدكاكين الإلكترونية، وقد ادَّعت متوهمة أنها مواقع صحفية، وأول الغائبين عنها هو أس المهنة وركنها: «التحرير».


أتذكر فيما أتذكر من عملي في الصحافة المطبوعة في عصر ما قبل الإنترنت في الأردن، وجود شخص مهم في مطبخ التحرير، بل هو المطبخ فعليّاً، تنتهي كل موادنا الصحفية «المكتوبة على ورق» على طاولته، وكان اسمه «محرر ديسك». ومهمته أن «يُوضِّب» المادة بتحريرها مع كامل الصلاحيات التي يفوضه بها رئيس التحرير، وهذا المحرر لا أسماء كبيرة عنده، فالمادة هي مادة يجب أن تصل محترمة للمتلقي بكل الأحوال.

كان المحرر أحياناً هو ذاته المدقق اللغوي، وهذا في ميزانيات محدودة لمؤسسات صحفية، لكن في مؤسسات تملك القدرات المالية فمحرر الديسك مهنته فقط تحرير المواد، وهي مهنة فيها كثير من الفن والمرونة التي يطبع فيها محرر الديسك بصمته على صيغة الصحيفة بالمجمل.

في بداياتي، كثيراً ما تعرضت موادي الصحفية التي أسلمها بثقة شديدة مكتوبة إلى رئيس القسم، إلى مبضع وأدوات تشريح محرر الديسك، لأجدها مطبوعة بشكل مختلف كثيراً عما كتبته، وتلك كانت تجربة مهمة لي في البدايات، لأقارن وأتعلم من كل تغيير، حتى وصلت إلى مرحلة لاحقة يناديني فيها محرر الديسك ليناقشني ويستشيرني بفقرة أو بجملة، وكان هذا مبعث بهجة لي أنى تعلمت الكثير حتى وصلت إلى مرحلة يستشيرني في الجماليَّات فيها من كان يُجري جراحات تجميلية شاملة على موادي الصحفية، فأشعر بالإطراء الداخلي.
#بلا_حدود