الثلاثاء - 14 يوليو 2020
الثلاثاء - 14 يوليو 2020

وقوع الحافر على الحافر

د. واسيني الاعرج
أكاديمي وروائي مقيم بفرنسا، عمل في جامعة الجزائر المركزية، قبل أن يلتحق في 1994 بجامعة السوربون في باريس. يسهم بتحليلاته الثقافية والسياسية في صحف عربية كثيرة، حصل على جوائز مرموقة منها جائزة الشيخ زايد للآداب.
السرقة الأدبية مرض من أمراض عصرنا القاتلة لكل فعل إبداعي فهي مدمرة، إذ كيف يسرق شخص ما ـ كيفما كانت رتبته الاجتماعية ـ جهد الآخرين، ويدعي أنه له دون أن يلقى ردعاً مناسباً مع فعله؟

الذي يحدث للأسف عربياً، هو اللاعقوبة، يظل السارق حراً طليقاً وبلا رادع، ما يجعل سُراقاً آخرين يفكرون في القيام بنفس الفعل ما قام به السابقون الذين لم تصدر ضدهم أي عقوبة حقيقية تضعهم في دائرة الاتهام لمسخهم أمام الآخرين، والتفكير في إجبارهم على دفع غرامة مالية، تجعلهم يفكرون 100 مرة قبل الإقدام على السرقة.

نشاهد عشرات الأفلام، أو نقرأ العديد من الكتب، ونشعر بتقاطعها المفضوح مع ما رأينا أو قرأنا، وأن ملمس الآخرين الثقيل موجود في النص الذي قرأناه، لكننا في النهاية نمضي ولا نتوقف لفضح السرقة الموصوفة التي نراها ونلمسها، بسبب كسل ما أو ربما أكثر من ذلك وأخطر، أننا تعودنا على الظاهرة بحيث لم تعد تثير فينا أي دافع لمقاومتها.


فحتى عندما يتعلق بسرقة أعمالنا بدل رفع قضية ضد السارق، نكتفي بالشجب أمام محيط الأحبة والأصدقاء، لأننا في أعماقنا ندرك أن القضاء لم ينصف المسروق، وقد لا يعطي قيمة للقضية، مع أن مسألة حماية حقوق الملكية الفكرية تشكل حجر الزاوية غربياً، احترامها مرتبط باحترام جهود الغير.. نعم، هيئات حقوق التأليف والحقوق المجاورة موجودة، لكن أغلبها يشتغل في مجال الأغاني والموسيقى والألحان، لأن السرقة هناك بارزة ولا تتطلب إلا معرفة دنيا، فالأغنية لفلان وقد سرقها فلان بلا وجه حق وغناها لصالحه، وهي لم تدخل المجال العمومي بعد حيث يصبح بإمكان أي شخص استثمارها، وينال المظلوم عادة حقه.

لكنّ هناك ضابطاً مهماً يجب أن يتوفر قبل الإقدام على الاتهام، التثبت فعلياً من حدوث فعل السرقة بمقاييسه الدولية المعروفة، أي وقوع الحافر على الحافر كما يقول العرب عندما يريدون تثبيت فعل السرقة الأدبية مثلاً.

ولا يمكن لأي واحد أن يتهم الآخرين كما يشاء، من منطلق مزاجه المريض الذي يرى وراء كل حجرة عدواً مفترضاً تجب محاربته، ووراء كل جملة جهداً له قد تمت سرقته ونهبه.

يعرف جميع من مارس نقداً ثقافياً عاماً أو أكاديمياً، أن إثبات تهمة السرقة الأدبية أو الثقافية بشكل عام، من أشد الحقول التناصية تعقيداً، لأنه يستدعي بالضرورة البرهان ليس فقط بذكر النص المرجعي المسروق منه، ولكن بالتوقف عند العلامات الماكرو والميكرو نصية، التي انتقلت من نص سابق إلى نص لاحق، وما هي القنوات التي سلكها ليصل التناص إلى السرقة.

اللهم إلا إذا كانت سرقة موصوفة وحرفية لا تتطلب جهداً كبيراً لكشفها، ولا أحد في حدود متابعاتي، اتَّهم شخصاً آخر بالاستيلاء على جهده، وخصَّه ببحث موضوعي ومتابعة نقدية ولغوية وفنية حقيقية تنقل فعل السرقة من الشك إلى اليقين.
#بلا_حدود